تحليل ورأي

عين على الواقع

اعتدال احمد الهادي تكتب...

حين تتنبأ الكاميرا بالموت: هل نكتب أقدارنا أم نعيد مشاهدتها؟

لم يكن الأمر مصادفة عابرة بالنسبة لي في إحدى المشاهد لمسلسل الموناليزا، شاهدت مقطعين لبطلة المسلسل وهي الممثلة المصرية مي عمر تتفاجأ بخبر وفاة والدتها شدني ذلك المشهد الذي لامس حزني استمريت في التنقل فوجدت مقطع اخر أكثر حزننا لنفس الشخصية تابعت المشهدين، حين تحولت اللقطات إلى مقاطع مجتزأة تجوب المنصات هنا اكتمل تطابق المشهدين عندي.

لم يكن الأداء صاخباً، ولا البكاء مفتعلاً كان حزنًا داخلياً، متماسكاً حدّ الانكسار ذلك النوع من الألم الذي لا يحتاج إلى صراخ ليُقنعك هزّتني تلك المشاهد لأنني رأيتها بعين الابنة التي لا تزال تعيش أثر فقد والديها تلك التفاصيل كانت مألوفة إلى حد الإيلام: الصمت الذي يسبق الانهيار، ارتباك الجسد، النظرة التي تبحث عن شيء لن يعود.

قلت في نفسي: وعيني تزرف الدمعة و غصة تسد حلقي هذا تمثيل صادق ولا اخفيكم انني دائما ما كنت اتفاعل مع تلك المشاهد الدرامية كثير حتى انني اذكر في ذات المرات وقبل رحيل والدي وجدني ابكي مع احد المشاهد فقال لي عبارته التي لا انسى اليوم تبكي مع الدراما وغدا تبكي في الواقع ولن تجف عينك طوال العام فقلت له هكذا انت تدخل الموت في كل شيء.

لم تمضِ سوى ساعات من مشاهدتي لتك المقاطع، حتى أعلنت بطلة المسلسل مي عمر عبر حسابها خبر وفاة والدها في الحقيقة.

هنا لم يعد السؤال فنياً بل وجودياً: هل كانت تمثل الحزن أم كانت تستدعيه؟ وهل يمكن للدراما أن تسبق الواقع أم أننا نحن من نعيد قراءة الواقع بعد وقوعه فنمنحه هالة النبوءة؟

في علم النفس، ثمة ما يُعرف بـ”الانحياز للتأكيد”: نحن نتذكر المشاهد التي تشبه ما حدث، وننسى آلاف المشاهد التي لم يتحقق منها شيء نميل إلى الربط بين حدثين متجاورين زمنياً لنصنع منهما قصة ذات معنى. فالعقل البشري لا يحتمل العشوائية، ويبحث دائماً عن نظام حتى في الفوضى.

لكن المسألة ليست نفسية فقط بل ثقافية أيضاً.

الدراما العربية تحديداً تقوم على مخزون إنساني مشترك: المرض، الفقد، الخيانة، السقوط، الموت. هذه ليست أحداثاً نادرة، بل احتمالات يومية وعندما تتقاطع مع حياة الممثلين أنفسهم، يبدو الأمر كما لو أن النص كان رسالة مشفّرة من المستقبل، بينما هو في الحقيقة انعكاس مكثف لما نعيشه جميعاً.

وسائل التواصل الاجتماعي تضاعف هذا الإحساس. على منصات مثل فيسبوك وتيك توك، يُعاد تدوير المشهد فور وقوع الحدث، يُقصّ ويُلصق ويُعنون بطريقة توحي بأن الفن سبق الحياة بخطوة ومع كل مشاركة، تتكرس فكرة “الدراما التي تحققت”.

لكن الحقيقة الأكثر عمقاً ربما تكون أكثر بساطة:الممثل لا يعيش خارج هشاشتنا، بل داخلها و الكاميرا لا تخلق الألم، بل تمنحه شكلاً وعندما يقع الفقد فعلاً نندهش لأننا رأيناه من قبل، لا لأنه حدث، بل لأننا لم نكن نريد تصديق احتماله.

بالنسبة لي لم يكن التطابق مادة للدهشة بقدر ما كان صدمة شخصية شعرت أن الحزن دائرة مغلقة نراه على الشاشة نهتز له ثم يخرج من الإطار ليجلس إلى جوارنا لم أفكر في “نبوءة”، بل فكرت في هشاشة المسافة بين الفن والحياة.

غير أن السؤال الأهم: هل تتنبأ الدراما بالمستقبل؟ أم أننا نحن من نعيد قراءة الماضي بعيون الحاضر؟ وهل تتنبأ الكاميرا بالموت؟ والإجابة اننا نتذكر ما يشبهنا، وما يهزّ مشاعرنا آلاف المشاهد تمر بلا أثر، لكن مشهداً واحداً يتقاطع مع حدث حقيقي يكفي ليصنع قصة كاملة فالدراما كما ذكرت لا تصنع الأقدار، لكنها تلامس الاحتمالات الإنسانية الكبرى لا تحتاج إلى نبوءة كي تتحقق وربما ليست هي من ترى المستقبل، بل نحن من نبحث في الصور القديمة عمّا يواسي دهشتنا أمام قسوة الواقع.

ونصور آلامنا مراراً حتى إذا وقعت قلنا: لقد رأينا هذا من قبل وفي كل مرة يحدث ذلك فالدراما لا تتحول إلى حقيقة بل تنكشف الحقيقة عن كونها كانت دائماً درامية بما يكفي فهي لا تسبق الحياة لكنها تشبهها كثيراً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى