
في علم الاقتصاد يسمي بـ “الجمود السعري” (Price Rigidity) الناتج عن الضبابية، وهو أمر شائع في الاقتصادات التي تعاني من صدمات مستمرة.
إليك بعض النقاط المهمه :
سيكولوجية السوق (أثر التوقعات): في السودان، السعر ليس مجرد رقم ناتج عن عرض وطلب، بل هو “مؤشر ثقة”. عندما يرتفع السعر، يتوقع الناس زيادة إضافية فيسارعون للشراء، مما يخلق طلباً مصطنعاً يرفع السعر فعلياً، وهي دائرة مفرغة تسمى “التوقعات ذاتية التحقق”.
الدرهم الإماراتي كعملة “ملاذ”: تحول الدرهم من مجرد عملة تجارة إلى مخزن للقيمة (مثل الذهب). وبما أن التحويلات عبر “دبي” هي الشريان الأساسي لحركة الأموال السودانية حالياً، يظل الطلب عليه “صلباً” حتى لو توقفت مشتريات النفط، لأن البدائل المصرفية الرسمية شبه غائبة.
الاستيراد “المعيشي”: حتى في ظروف الحرب، لا يتوقف استيراد السلع الأساسية (دقيق، زيوت، أدوية). هذا الاستيراد يغطيه القطاع الخاص الذي يشتري العملة من السوق الموازي مهما كان الثمن، مما يضع “أرضية” للسعر يمنعه من الهبوط.
غياب صانع السوق (البنك المركزي): في الحالات الطبيعية، يتدخل البنك المركزي لكسر حدة “التردد” أو المضاربات، لكن في الوضع الحالي، السوق الموازي هو الذي يقود، وهو سوق يتحرك بالإشاعة أسرع من تحركه بالحقائق الاقتصادية.
باختصار: السوق السوداني حالياً يعاني من حالة “عدم يقين” تجعل الجميع (تجاراً ومواطنين) يفضلون التمسك بالعملة الصعبة (الدرهم أو الدولار) حتى لو تراجعت مبررات الصعود، خوفاً من أي مفاجأة سياسية أو أمنية قد تهوي بالعملة المحلية مجدداً.
هناك عدة تطورات وقرارات مفصلية (حتى أبريل 2026) عمقت حالة “التردد” والانتظار في السوق، وجعلت الأسعار تتحرك في نطاق ضيق رغم الضغوط التضخمية:
تحريك سعر الدولار الجمركي: صدرت قرارات برفع سعر الدولار الجمركي (وصل إلى 2827 جنيهاً بزيادة حوالي 13.7%)، وهو ما خلق حالة من الارتباك لدى المستوردين. هذا القرار جعل التاجر “يتردد” في تسعير بضاعته أو طلب عملة جديدة، بانتظار رؤية أثر هذا الرفع على القوة الشرائية المتهالكة أصلاً.
سياسات البنك المركزي لعام 2026: أطلق البنك المركزي سياسات تركز على “إعادة هيكلة المصارف” وتصنيفها، مع التوسع في تمويل القطاعات الإنتاجية. هذه الخطوات أعطت إشارة للسوق بأن هناك محاولة رسمية لاستعادة السيطرة، مما جعل المضاربين في “حالة ترقب” (Wait and See) خوفاً من أي إجراءات إدارية مفاجئة أو حملات أمنية على تجار العملة.
أزمة الوقود وتضارب الأنباء: رغم تصريحات الحكومة باستقرار الإمدادات، إلا أن تقارير ميدانية أشارت إلى وجود “أزمة وقود” في بعض المناطق. هذا التضارب يدفع أصحاب رؤوس الأموال للاحتفاظ بالدرهم أو الدولار كنوع من التحوط (Hedging) ضد أي توقف في سلاسل الإمداد، وهو ما يعزز فكرة “الادخار بالعملة الصعبة” التي ذكرتها.
الفجوة بين الرسمي والموازي: استقرار أسعار البنوك عند مستويات مثل 2800-3300 جنيه، بينما يتداول السوق الموازي عند مستويات أعلى (تجاوزت 3650 جنيهاً في بعض الفترات)، خلق نوعاً من الشلل التجاري؛ فالشركات الكبرى لا تستطيع الحصول على السيولة من البنوك، ولا ترغب في المغامرة بالشراء من السوق الموازي بأسعار قد تنهار إذا حدث أي انفراج سياسي.
النتيجة الحالية: السوق الآن يمر بمرحلة “جمود حذر”؛ فالطلب موجود لكنه “مكبوت” بسبب عدم وضوح الرؤية السياسية والاقتصادية، والجميع ينتظر شرارة (سواء خبراً إيجابياً أو سلبياً) لتحريك الأسعار من جديد.
هذا “التردد” لم يعد محصوراً في غرف كبار التجار، بل انتقل أثره بشكل مباشر إلى مائدة المواطن البسيط، وتجلى ذلك في عدة مظاهر واقعية (حتى أبريل 2026):
تذبذب وفرة السلع (ندرة مصطنعة): يتردد تجار التجزئة في طرح كامل مخزونهم من السلع الأساسية (مثل السكر، الزيت، والدقيق) خوفاً من عجزهم عن استبدالها بأسعار جديدة. هذا يؤدي إلى ظهور “ندرة متقطعة” في الأسواق المحلية، حيث تتوفر السلعة يوماً وتختفي آخر بناءً على شائعات سعر الصرف.
ارتفاع تكلفة الخبز والمعيشة: مع زيادة الدولار الجمركي إلى 2827 جنيهاً (بنسبة 13.7%)، ارتفعت أسعار الخبز والسلع المستوردة فعلياً. التاجر الصغير يجد نفسه مضطراً لرفع السعر فور سماع خبر الزيادة الجمركية، حتى لو كان مخزونه قديماً، كنوع من “التحوط الذاتي” ضد التردد السعري.
جمود حركة الشراء: المواطن نفسه أصبح “متردداً”؛ فالدخل المحدود (حيث تصل كلفة معيشة الأسرة المتوسطة لنحو 750 دولاراً شهرياً) يجعل الناس يكتفون بشراء الضروريات اليومية فقط، مما أصاب الأسواق بحالة من الركود التضخمي (غلاء مع قلة بيع).
أزمة “الفكة” والسيولة: التردد في قبول العملة المحلية ببعض المناطق أو تفضيل التعامل بالتحويلات البنكية (تطبيقات مثل “بنكك”) زاد من تعقيد الحصول على السلع البسيطة من المحلات التي لا تتوفر لديها سيولة نقدية كافية.
الخلاصة: التأثير في القاع أقسى منه في القمة؛ فبينما يملك كبار التجار خيارات المناورة بالعملات الصعبة، يجد المواطن العادي نفسه عالقاً بين “سعر صرف متذبذب” و”سلع ترتفع أسعارها قبل وصولها إلى الرفوف”.