
في رمضان لا يكون الغياب عابرا بل أكثر حضوراً وبين الدعاء والحنين، نحاول أن نصل إلى من لم يعودوا هنا.
خلال هذه الايام المباركة، لم أبحث عن والدي في الذاكرة فهما حاضران في كل زاوية في الصباح الذي يبدأ أثقل مما ينبغي، وفي المساء حيث القهوة التي تبرد سريعاً، في الدعاء الذي أتوقف عنده لحظة قبل أن أذكر اسميهما معاً يقولون إن الأيام المباركة مواسم فرح لكنها تكشف الفراغ بوضوح قاسٍ أنها تظهر لي المساحة التي تركها شخصان كانا يختصران لي العالم، تضع مقعديهما فارغين في صدر المشهد، وتجعلنا نبتسم رغم الغصّة.
كنت أظن أنني تعلمت كيف أتعايش مع هذا الفقد المؤلم و الزمن يعلم القلب الحيلة لكن الحقيقة خلال هذه الايام أكتشف أن الغياب لا يبهت بل يتغير شكله يتجذّر و يصير جزءاً من تكويننا، من نبرة أصواتنا، من الطريقة التي نرتّب بها الأيام حول فراغٍ لا يُرى أشتاق إليهما بطريقة مختلفة ليس إلى اللحظات الكبيرة فقط بل إلى التفاصيل التي لم أكن أقدّرها كما ينبغي إلى صوتين كانا يملآن البيت حياة إلى اختلاف وجهتي نظرتهما إلى حضورهما الذي كان يجعلني أشعر أن الحياة مهما ثقلت يمكن احتمالها انا أشتاق بطريقة لا يفهمها أحد تماما إلى تفاصيل الصغيرة جدا في حضورهما الذي كان يجعلني أشعر أن الحياة مهما اشتدت لها سند.
انا اغار نعم انا أعترف أحياناً أغار … أغار من الذين يجلسون وسط آبائهم وأمهاتهم في مثل هذه الايام و من الذين يستطيعون أن يقولوا انا ذاهب لأمي وابي ثم أشعر بالذنب، وأدرك أن الغيرة ليست اعتراضاً على القدر بل اعترافٌ بحجم الحب وحين يشتدّ الحنين، أتمسّك بما علّمنا الله (الذين إِذا أَصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وانا إِليه راجعون) أرددها لا كعبارة عزاء، بل كحقيقة موجعة ومطمئنة معا نحن له قبل أن نكون لبعضنا ونحن إليه مهما طال البقاء.
الموت لا يأخذ الأشخاص وحدهم بل يأخذ النسخة التي كنا عليها بوجودهم يأخذ شعور الاتكاء و يجعلنا نقف وحدنا أمام الأيام الكبيرة، يجعلنا أكبر فجأة وأكثر وحدة وأعترف في هذا اليوم تحديدا أنني أضعف لا أريد أن أبدو قوية أنني أريدهما هنا، لا في الذكرى في لحظة الإفطار في اليوم الاخير و الدعاء الجماعي وتحضيرات العيد، في الضحكة العابرة لابوي لم يفرح بثبوت العيد لامي لم تعد لهذا اليوم عدته، انا أشتاق لذلك الترتيب الفوضوي للأشياء انا أريدهما كما كانا لا كما أصبحا في الصور لكن وسط هذا الألم هناك يقين لا أستطيع إنكاره هو أن الله أرحم بهما مني وأن الدعاء لا يضيع و كل مرة أذكر اسميهما، يكتب لي ولهما شيء من النور هذا الشيء الوحيد الذي لم يسلبه الموت مني ان أرفع يدي لأطلب رحمتهما في ختام هذه الايام المباركة حيث لم يعد بيني وبينهما سوى الدعاء وبالرغم من بساطته الا انه أصدق من الحضور وأبقى من الغياب.
امي وأبي في هذا الايام، لم أطلب أن يختفي وجع فراقكما طلبت فقط أن يتحوّل و أن تكون كل دمعة رفعة وكل حنين مغفرة وكل ذكرى صدقة جارية من القلب إن كان لكم اخباب خلال هذا اليوم تفتقدوهم فلا تُجاملو حزنكم اسمحوا له أن يمرّ بصدق اذكرهم بصوتٍ مسموع ارفعوا اياديكم، وقولوا ما لم تقلولوه من قبل فالذين نحبهم لا يغيبون تماماً هم ينتقلون من المقاعد الفارغة إلى داخلنا يسكنون الدعاء ويصيرون سبباً لأن نكون أكثر رقّة وأكثر قربا من السماء خلال هذه الايام المباركة أعرف أن والدي ليست هنا وأعرف أيضا أنني لم أفقدهما بالكامل فما زال بيني وبينهما طريقٌ مفتوح اسمه الدعاء.
تقبلهما ربي بواسع رحمته وجميع موتى المسلمين.