قدرة الحكومة السودانيه على سداد التزاماتها دليل سلامة مسار الإصلاح الاقتصادى
وليد دليل خبير مصرفي

يعدّ التلازم بين قدرة الحكومة السودانية على سداد التزاماتها وسلامة مسار الإصلاح الاقتصادي معادلة شديدة الحساسية. ففي ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان، لا تبدو هذه القدرة مجرد رقم حسابي، بل هي محصلة لمعركة طويلة بين تحديات هيكلية طاحنة، ومستهدفات طموحة تسعى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
فيما يلي تحليل تفصيلي يمتد من تشخيص المعوقات، مروراً بالأهداف المبتغاة، ووصولاً إلى استشراف مستقبل الاقتصاد السوداني:
أولاً: المعوقات (لماذا يصعب سداد الالتزامات حالياً؟)
تتحرك المالية العامة في السودان وسط حقل من الألغام الاقتصادية والسياسية التي تُكبل أي محاولة للإصلاح المستدام، وأبرز هذه المعوقات:
تبعات النزاع المسلح والدمار الهيكلي: أدى النزاع الدائر إلى تدمير البنية التحتية، وخروج أكثر من 80% من المصانع والشركات من الخدمة في العاصمة والولايات المتأثرة، مما أصاب الوعاء الضريبي والجمركي للدولة بشلل شبه كامل.
عسكرة الموازنة العامة (المجهود الحربي): تلتهم النفقات العسكرية والأمنية الحصة الأكبر من الموازنات الطارئة للحكومة، مما يخلق عجزاً هائلاً في تمويل الالتزامات المدنية مثل (رواتب الموظفين، تشغيل المستشفيات، والخدمات الأساسية).
التدهور الحاد في قيمة العملة والتضخم: مع الهبوط الحاد في سعر صرف الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية (تجاوز مستويات قياسية)، وتصاعد التضخم، تتآكل القوة الشرائية للميزانية الحكومية، فتصبح الأموال المخصصة للسداد غير ذات قيمة حقيقية في السوق.
تراجع قطاعات الإنتاج والتصدير: تراجعت صادرات البلاد الحيوية (كالذهب، والثروة الحيوانية، والمحاصيل الزراعية مثل الصمغ العربي) نتيجة للظروف الأمنية وصعوبة اللوجستيات، مما حرم الخزينة العامة من النقد الأجنبي اللازم لسداد الالتزامات الخارجية.
عزلة النظام المصرفي وفقدان التمويل الدولي: تعثر مسار إعفاء الديون (مبادرة الهيبك) وتوقف المساعدات والقروض الميسرة من الصناديق الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد) بسبب عدم الاستقرار السياسي، مما جعل الحكومة تعتمد على مواردها الشحيحة فقط.
ثانياً: الأهداف (ماذا يعني السداد في مسار الإصلاح؟)
إذا نجحت الحكومة في استعادة قدرتها على سداد التزاماتها، فإن ذلك ليس غاية بحد ذاته، بل هو وسيلة لتحقيق أهداف استراتيجية تعيد صياغة الاقتصاد:
بناء الاستقرار المالي والنقدي: السداد من مصادر إيرادات حقيقية (وليس عبر طباعة النقود) يهدف إلى كبح جماح التضخم وتثبيت سعر الصرف.
ولاية وزارة المالية على المال العام: جمع كافة الموارد الاقتصادية تحت مظلة الخزينة العامة وضمان توجيهها بكفاءة نحو الأولويات (الأمن، الصحة، التعليم، الرواتب).
إنعاش القطاعات الإنتاجية: تمويل المواسم الزراعية (شراء التقاوي، الأسمدة، الوقود) وإعادة تأهيل المشروعات القومية (مثل مشروع الجزيرة) باعتبارها المولد الحقيقي لثروة البلاد.
استعادة الثقة وبناء السلام الاجتماعي: سداد رواتب القطاع العام بانتظام وتهيئة البيئة لعودة النازحين وإعادة الإعمار يمثل صمام أمان لاستقرار المجتمع وتثبيت ركائز السلام.
ثالثاً: استشراف المستقبل (رؤية المسار الاقتصادي)
يتأرجح مستقبل الاقتصاد السوداني بين سيناريوهين يعتمدان كلياً على المتغير السياسي والأمني:
السيناريو المتفائل (التعافي والقفزة الاقتصادية)
مشروط بوقف الحرب، وتحقيق الاستقرار السياسي، وبدء مرحلة إعادة الإعمار. ويتوقع في هذا السيناريو:
نمو اقتصادي متسارع: مدفوعاً بإعادة تشغيل الطاقات المعطلة، حيث يمكن للاقتصاد تحقيق معدلات نمو قوية ناتجة عن الطلب الهائل في مرحلة إعادة البناء.
تدفق الاستثمارات وإعفاء الديون: استئناف المجتمع الدولي لوعوده السابقة بإعفاء ديون السودان التي تثقل كاهله، وتدفق رؤوس الأموال الأجنبية للاستثمار في قطاعات المعادن، النفط، والزراعة.
إصلاح تقني وهيكلي: الاعتماد على حلول رقمية وثورية لمكافحة الفساد، وتوسيع المظلة الضريبية دون إرهاق المواطن، ودمج المغتربين في الدورة الاقتصادية عبر حوافز جاذبة لمدخراتهم.
السيناريو المتشائم (استمرار الهشاشة والنزيف المالي)
في حال استمرار حالة عدم الاستقرار وضبابية المشهد:
سنشهد تحول الموازنات الحكومية إلى “موازنات تصريف أعمال وتشغيل طارئ” فقط، مع عجز دائم عن الوفاء بالالتزامات التنموية والاجتماعية.
استمرار اعتماد الاقتصاد على “الاقتصاد الموازي” والتهريب (خاصة في قطاع الذهب)، مما يحرم الدولة من موارد سيادية ضخمة ويضعف قدرتها المطبقة على الإصلاح.
خلاصة
إن قدرة الحكومة السودانية على سداد التزاماتها هي المؤشر الحقيقي لانتهاء مرحلة “اقتصاد الحرب والتسيير” والدخول في مرحلة “اقتصاد التنمية والإعمار”. هذا المسار لا يمكن أن يستقيم بالمسكنات المالية المؤقتة، بل يتطلب جراحة هيكلية عميقة تبدأ بالاستقرار، وتمر بالإنتاج، وتنتهي بالاندماج في المنظومة الاقتصادية العالمية مجدداً