تحليل ورأي

جرد حساب السنة الأولى لحكومة كامل إدريس (مايو 2025 – مايو 2026)

وليد دليل خبير مصرفي

أولاً: السياق الذي جاءت فيه الحكومة
كامل إدريس هو أول رئيس وزراء مدني في السودان منذ استقالة عبد الله حمدوك في يناير 2022، أي بعد فراغ حكومي استمر أكثر من ثلاث سنوات.
وقد جاء تعيينه في خضم حرب أهلية مدمرة، وكان الدافع الجوهري له كسر الجمود الدولي المتجمد، وليس استجابةً لضغط شعبي داخلي. دوافع المؤسسة العسكرية كانت تشمل: كسر العزلة الخارجية، وتجنب العقوبات المتصاعدة، وتقديم واجهة مدنية للمجتمع الدولي بعد الانتصارات الميدانية في الخرطوم .
وكانت واشنطن قد فرضت عقوبات مباشرة على البرهان في يناير 2025، ثم فرضت عقوبات اقتصادية على الحكومة السودانية في مايو 2025 بتهمة استخدام أسلحة كيميائية في العمليات العسكرية.
ثانياً: ما أنجزته الحكومة فعلياً
◄ على الصعيد المؤسسي
حلّ إدريس في أول قراراته الحكومةَ المكلَّفة منذ يناير 2022، وكلّف الأمناء العامين ووكلاء الوزارات بتسيير الأعمال مؤقتاً، ثم أعلن هيكل “حكومة الأمل” المكوّنة من 22 وزارة، مع التزام معلن بمعايير الكفاءة لا الحزبية في اختيار الوزراء.
استحدثت الحكومة “هيئة للشفافية والنزاهة” لمكافحة الفساد.
وفي 29 يوليو 2025، أكد مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي اعترافه بمجلس السيادة الانتقالي والحكومة المدنية الانتقالية باعتبارهما السلطتين الشرعيتين في السودان، وهو اعتراف دولي مهم.
◄ على صعيد العودة إلى الخرطوم
في أغسطس 2025، أعلن إدريس عودة الحكومة بشكل نهائي إلى العاصمة الخرطوم، مع الإعلان عن استئناف مطار الخرطوم الدولي لنشاطه بعد أعمال إعادة تأهيل وترميم.
وفي يناير 2026، أعلن إدريس رسمياً عودة الحكومة إلى ممارسة مهامها من العاصمة الخرطوم، بعد نحو ثلاث سنوات من انتقالها القسري إلى بورتسودان، في خطوة رمزية وعملية ذات دلالة كبيرة.
◄ على الصعيد المالي والموازنة
صادق مجلس الوزراء على الموازنة الطارئة للعام المالي 2026، مع التركيز على حشد الموارد للمجهود الحربي، وتأهيل المنشآت والبنية التحتية، وتوفير الخدمات الأساسية لعودة المواطنين إلى ولاية الخرطوم، معتمدةً على مبدأ الاعتماد على الموارد الذاتية.
◄ على صعيد قطاع التعدين والذهب
أعلنت الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية عن اكتشاف احتياطيات ضخمة تشمل نحو 1500 طن من الذهب المؤكد وشبه المؤكد، وأكثر من 30 مليار طن من خام الحديد، في خطوة تشكّل قاعدة استراتيجية محتملة للاقتصاد السوداني.
وبلغ إجمالي دخل قطاع الذهب خلال 2025 نحو 1.087 تريليون جنيه سوداني، أي ما يعادل 1.81 مليار دولار، بنسبة إنجاز بلغت 132% من المستهدف، وبزيادة قدرها 295 مليار جنيه مقارنة بالعام السابق.
وسجّلت إيرادات التعدين التقليدي في الربع الأول من 2026 قفزة بلغت 113%.
وتسلّم رئيس الوزراء رؤية وزارة المعادن الاستراتيجية للأعوام 2026-2030، التي تهدف إلى جعل قطاع التعدين المحرك الأساسي للتنمية الاقتصادية.
◄ على الصعيد المصرفي
أظهرت المؤشرات المصرفية تعافياً نسبياً؛ إذ كشف البنك المركزي في أبريل 2026 عن نمو إجمالي الودائع المصرفية بنسبة 15.6%، لتتجاوز 24.1 تريليون جنيه.
وفي ديسمبر 2025، أصدر بنك السودان المركزي وثيقته الاستراتيجية الخمسية “خطة التعافي والتحول الاستراتيجي 2026-2030”.
◄ على الصعيد الزراعي
أشار إدريس إلى نجاح الموسم الزراعي الصيفي بنسبة 80%، وبدء الترتيبات للموسم الشتوي، مع زيارة ولاية الجزيرة لمتابعة ملف الأمن الغذائي.
◄ على الصعيد الاقتصادي الكلي
ثمة تعافٍ متواضع إذ ارتدّ الناتج المحلي بنسبة 3.1% في 2025، مدفوعاً بعودة المهجّرين وتحسن الأوضاع الأمنية في الولايات الشمالية والوسطى، وبدأ التضخم في الانحسار منذ أبريل 2025.
ثالثاً: ما عجزت عنه أو ظل قاصراً
الاقتصاد لا يزال في الحضيض:
إيرادات الحكومة انهارت من 10% من الناتج المحلي عام 2022 إلى أقل من 5%، فيما ارتفعت نسبة الفقر المدقع من 48% إلى 59%.
العقوبات الأمريكية طوق خانق:
دخلت العقوبات الأمريكية على الحكومة السودانية حيز التنفيذ في يونيو 2025، إثر اتهامات واشنطن للجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية، وهي عقوبات كبّلت قدرة الحكومة على جذب تمويل دولي وتعاملات مصرفية.
الميزان التجاري يتسع هوّته:
أظهرت بيانات ميزان المدفوعات لعام 2025 فجوة تجارية واسعة، إذ بلغت الصادرات 4.3 مليار دولار مقابل واردات تقترب من 10 مليارات دولار.
محدودية السلطة الفعلية:
تظل الحكومة المدنية في موقع هشّ؛ المؤسسة العسكرية تحتفظ بالسلطة الفعلية، وما الحكومة المدنية إلا واجهة يُقدَّمها للمجتمع الدولي دون تنازل حقيقي عن القرار.
الدمار لا يعالجه سنة واحدة:
تقدّر الحكومة تكلفة إعادة الإعمار بنحو 700 مليار دولار على مستوى السودان كله، يذهب نحو نصفها لإعادة إعمار الخرطوم وحدها.
الخلاصة
السنة الأولى لحكومة كامل إدريس يمكن توصيفها بأنها سنة تأسيس لا سنة إنجاز. نجحت في استعادة الشكل المؤسسي للدولة بعد فراغ مديد، وأنجزت خطوات رمزية وعملية حقيقية كعودة الحكومة إلى الخرطوم وإعادة المطار واستحصال الاعتراف الدولي، فضلاً عن أداء جيد لافت في قطاع الذهب والتعدين. لكن القيود الهيكلية العميقة، من حرب مستمرة وعقوبات أمريكية وعجز مالي حاد ودمار هائل، تجعل أي تقييم لأداء حكومة وحيدة في عام واحد رهيناً بسؤال جوهري أكبر: هل ستُوقف هذه الحرب؟ ذلك هو المفتاح الذي لا تملكه الحكومة وحدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى