تحليل ورأي

حكومة الأمل بين الوعود والواقع: كبوات كامل إدريس الداخلية والخارجية

وليد دليل _  خبير مصرفي
مرت أشهر منذ تولي الدكتور كامل إدريس رئاسة مجلس الوزراء تحت شعار حكومة الأمل، وما زال السؤال الذي يشغل المراقب الاقتصادي قائماً بإلحاح: هل نحن أمام مشروع حقيقي لإعادة بناء الدولة السودانية في خضم الحرب، أم أمام إدارة أزمة تكتفي بالخطوات الشكلية بينما يتآكل الاقتصاد الحقيقي يوماً بعد يوم؟ فبعد مراجعة متأنية لأداء هذه الحكومة على مدى الأشهر الماضية، يصعب الإفلات من انطباع أن الفجوة بين الخطاب والإنجاز ما تزال واسعة، وأن الإخفاقات، الداخلية منها والخارجية، باتت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
على الصعيد الداخلي، يبرز التخبط في صناعة القرار كسمة أساسية لأداء هذه الحكومة، فقرارات تُتخذ ثم تُراجع أو تُجمد دون تفسير واضح للجمهور، من قرارات حظر استيراد عشرات السلع التي أثارت جدلاً واسعاً حول جدواها الاقتصادية، إلى حل مجالس إدارات شركات القطاع العام دون أن يتبعه إعلان واضح عن آلية إعادة الهيكلة أو تعيين البدائل، وكأن القرار اتُخذ لغرض الاستعراض الإعلامي أكثر من كونه جزءاً من برنامج إصلاحي متكامل. وقد وصف بعض المراقبين الاقتصاديين هذه الخطوات بأنها “إنجازات شكلية” تفتقر إلى برنامج حقيقي، وهو وصف يصعب دحضه حين ننظر إلى النتيجة الفعلية على أرض الواقع، حيث تستمر الخزينة العامة في المعاناة من شح الموارد بينما توجَّه الموارد المتاحة أصلاً نحو تمويل المجهود الحربي بدلاً من إعادة بناء ما تهدم.
أما الملف الأكثر إيلاماً للمواطن السوداني فهو استمرار تدهور سعر الصرف وتفاقم التضخم دون أن تملك الحكومة أدوات فعالة لكبح هذا النزيف، رغم كل الإجراءات الرقابية المعلنة من حين لآخر. فالسياسات النقدية المتبعة، من ضخ محدود للنقد الأجنبي إلى محاولات ضبط السوق الموازي، لم تفلح في وقف انهيار قيمة الجنيه، لأن جذر المشكلة ليس في أدوات السياسة النقدية بحد ذاتها، بل في غياب مصادر دخل حقيقية مستقرة تعزز احتياطي النقد الأجنبي في ظل استمرار الحرب واستنزافها للموارد.
ويضاف إلى ذلك ملف فساد مالي متصاعد يطال إدارة أموال عامة حساسة، فقد كشف تقرير المراجع العام عن خسائر تقترب من مليار دولار في الجهاز الاستثماري التابع لصندوق المعاشات، نتيجة شراكات استثمارية أُبرمت دون دراسات جدوى، وبعضها دون عقود أو ضمانات واضحة، من بينها صفقات خاسرة في قطاع الأسمدة الزراعية، وشراء أسهم في شركات أجنبية دون طرح عطاءات تنافسية شفافة. ورغم أن الحكومة سارعت إلى نفي بعض الاتهامات المتعلقة باستئجار مقار وزارية بالدولار، فإن نمط التسريبات المتكرر حول ملفات ترسية العقود يكشف عن غياب آليات رقابة صارمة على المال العام في وقت لا تحتمل فيه الدولة أي هدر إضافي لموارد شحيحة أصلاً.
وعلى الصعيد الخارجي، لم يكن أداء الحكومة أفضل حالاً، فملف تمثيل السودان في المحافل الدولية اتسم بضعف واضح في إدارة العلاقات وبناء التحالفات الدبلوماسية القادرة على حماية المصالح الاقتصادية للبلاد. وتُوّج هذا الضعف بالعقوبات الأوروبية الأخيرة التي استهدفت للمرة الأولى تجارة الذهب السوداني، أكبر مصدر للنقد الأجنبي في البلاد بعد فقدان عائدات النفط. فقرار كهذا، الذي يمس مباشرة القطاع الأكثر حيوية للاقتصاد الوطني، لم يأتِ من فراغ، بل يعكس تراكم إخفاقات دبلوماسية واقتصادية في إقناع الشركاء الدوليين بجدية الإصلاحات المتخذة، وفي تقديم بدائل مقنعة لضبط سلاسل إنتاج وتصدير الذهب بعيداً عن شبهات تمويل الحرب.
في المحصلة، تقف حكومة الأمل اليوم أمام اختبار حقيقي يتجاوز الشعارات إلى قدرتها الفعلية على إدارة أزمة متعددة الأبعاد: اقتصاد منهك، ومؤسسات مفككة، وثقة دولية متآكلة. وما لم تُترجم القرارات المعلنة إلى برنامج إصلاحي متسق تحكمه الشفافية والمساءلة، بدلاً من التخبط بين الإلغاء والإبقاء، فإن الفجوة بين اسم هذه الحكومة ووعدها بالأمل، وبين واقع اقتصادي يزداد قتامة يوماً بعد آخر، ستبقى هي السمة الأبرز لهذه المرحلة من عمر الدولة السودانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى