تحليل ورأي

مشاهدات عمر المونه

لا مع هؤلاء ولا هؤلا

أمضينا سنوات طويلة في الاغتراب، ولم تكن الغربة بالنسبة لنا مجرد سنوات نقضيها بعيدًا عن الوطن، بل كانت حياة كاملة بكل تفاصيلها.
عشنا سودانيتنا هنا بكل ما فيها؛ أفراحًا وأتراحًا، مناسبات وذكريات، نجاحات وانكسارات، وعلاقات صنعتها الأيام.
وعشنا في مملكة الخير والنماء والإنسانية، بلدٍ لم نشعر فيه يومًا أننا مجرد عابرين.
هذا البلد الذي فتح لنا أبوابه، واحتضن أبناءنا، وتعلموا في مدارسه، وكبروا بين أهله، وأحبوا ترابه وأمنه واستقراره.
وفي كل مرة ألمّت بنا مصيبة أو اشتدت علينا الأيام، وجدنا أهل الفزعة والمروءة والنخوة، من قيادة وشعبًا، يقفون معنا بما يستطيعون.
لذلك فإن علاقتنا بهذا البلد ليست علاقة إقامة فقط…
إنها سنوات من العمر، وذكريات، وتجارب، وأصدقاء، وأبناء كبروا هنا.
وفي المقابل، عشنا نحن السودانيين فيما بيننا تفاصيل كثيرة؛ في الإعلام والثقافة والفنون والرياضة والمجتمع.
كانت هناك تجارب جميلة نفتخر بها، وكانت هناك أيضًا تجارب أخرى مؤلمة.
تجارب شعر فيها البعض بالإقصاء والتهميش والتقزيم، حتى أصبح بعضنا يشعر أن الطريق لا يُفتح إلا لمن كان قريبًا من دائرة معينة، وأن النجاح أحيانًا لا يُقاس بما تقدم، وإنما بمن تعرف.
والأكثر إيلامًا أن يأتي ذلك من أناس عشنا معهم أجمل التفاصيل، وتقاسمنا معهم المحبة، وفتحنا لهم قلوبنا، ثم اكتشفنا أن ما يظهرونه لنا ليس دائمًا هو ما يضمرونه.
لكن…
أنا لا أريد أن أعيش بقية الطريق في خانة الخصومة.
ولا أريد أن أكون مع هؤلاء ضد هؤلاء.
لا مع هؤلاء… ولا مع هؤلاء.
أنا مع الإنسان السوداني.
مع الكفاءة.
مع المحبة.
مع الاحترام.
مع حق كل شخص في أن يجد مكانه دون أن يزيح غيره.
لقد آن الأوان أن يستقيم العود الذي اعوجّ طويلًا، وأن نرسم طريقًا سودانيًا جديدًا في الإعلام والثقافة والفنون.
طريقًا لا يُبنى على الشللية، ولا على الإقصاء، ولا على تصفية الحسابات، ولا على توزيع الأدوار وفق القرب والبعد.
طريقًا يتسع للجميع.
للمختلف قبل المتفق.
للقديم والجديد.
لصاحب التجربة ولصاحب الحلم.
للصحفي والإعلامي والفنان والمثقف والرياضي والمبادر.
نحن في الغربة أحوج ما نكون إلى أن نكون سندًا لبعضنا، لا جدارًا في وجه بعضنا.
فالنجاح السوداني لا ينبغي أن يكون معركة بين السودانيين…
بل ينبغي أن يكون فرحًا سودانيًا مشتركًا.
ومن أراد أن يصنع طريقًا جديدًا، فليمد يده للجميع، لا ليختار من يسير معه ومن يتركه خلفه.
أنا لا أبحث عن معسكر جديد…
ولا عن خصومة جديدة…
ولا عن أعداء جدد.
أبحث فقط عن مساحة نظيفة، يستطيع فيها كل سوداني أن يقول:
أنا هنا… ولي مكان.
وإذا اتسعت القلوب، اتسعت الساحة.
وإذا احترمنا اختلافاتنا، أصبح اختلافنا مصدر قوة لا سببًا للفرقة.
لا مع هؤلاء ولا هؤلاء…
أنا مع سودانٍ يسع هؤلاء وهؤلاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى