تحليل ورأي

عين على الواقع:

اعتدال احمد الهادي: كانا بعضي وكلي…ثم رحلا

 

غالبًا في أوقات الشدة ما يحتاج الإنسان إلى الآخرين أكثر، لكنني عند وفاة والدي شعرت برغبة عارمة في الانطواء والانعزال والبعد والاختفاء والوحدة، هكذا كانت رغبتي منذ وفاته لم أرغب في وجود أحد من حولي، ولم أكن بحاجة إلى أحد بجانبي في ذلك الوقت. كل ما أردته هو قضاء بعض الوقت بمفردي وددت أن أمارس حقي في الحزن، وأن أعيش لحظاته كاملة، أبكي، وأخرج كل ما بداخلي، ليس ضعفًا أو اعتراضًا على أمر الله، فقط ليشفى ما في صدري من وجع مميت. كان يضيق صدري بكثير من الآلام والتراكمات التي لم تُفرَّغ أو أشفَ منها حتى الآن.

لم أستحب فكرة أن يحاول أحدهم إخراجي من معزلي، وتشتيتي بأي طريقة كانت أردت أن أعيش لحظات حزني بكامل قسوتها وألمها، بكامل بؤسها وشقائها وعنف أوجاعها. ليس حبًا في الحزن ولا تلذذًا بالشقاء، لكن لإيمان بداخلي أن المرء منا يلزمه أن يحيا كامل أوقات حزنه كما يعيش أفراحه.

كنت أرغب كثيرًا في الجلوس وحدي، خاصة في الأماكن التي يتواجد بها كثيرًا: غرفته، سريره، ملابسه، مفكراته. أتذكر والدي ولحظاتنا الأخيرة معًا. أستعيد كل لحظاتنا السعيدة والمريرة، وأُبقي عليه حيًا في قلبي، وأتعهد بالدعاء بالرحمة والمغفرة.

يوم وفاته، بكيت كما لم أبكِ من قبل في حياتي. قضيت اليوم كاملًا أبكي في صمت، حتى ظننت أن روحي كادت تفارقني. تملكني وجع شديد، بدأته غصة في القلب تعصره عصرًا، وتطلق الألم كطلقات الرصاص في جميع أجزاء جسمي. كان الوجع مريرًا، وكانت الصدمة شديدة، وكانت روحي تختنق، وعيناي تمطران الدموع كالسيل ينهمر. قلبي يئن ويسيل حزنًا وأسى وقهرًا، وعقلي غير قادر على الاستيعاب. الوقت يمر ولا أكاد أشعر بأي شيء يدور من حولي.

كنت ملقاة كجثة هامدة، واجمة أفقت وأنا واهنة، لم أستوعب شيئًا. أتطلع إلى السقف وأسمع الصرخات: ما هذه الأصوات؟ وكأنني نسيت أن والدي توفي. أدرت بصري وأنا أنظر حولي، لتقع عيناي على صديقتي شذى الرحمة  حينها تذكرت أن والدي قد رحل، فناديتها بصوت خافت مبحوح: «شذى، بابا»، وغصت مرة أخرى في تلك النومة لا ادري ان كانت جاءت لقربي ام لأ لكني لا اتذكر شيئا بعدها.

ثم أفقت مرة أخرى على أصوات أناس يمرون من حولي ويصرخون ويقدمون واجب العزاء، يُمسكون بي ويُربتون على كتفي: «الدوام لله، شدي حيلك». يسلمون ويمضون، ويأتي آخرون، يشفقون عليّ، يأخذونني في أحضانهم، وأرتمي أنا من حضن إلى آخر، ولا أعلم من يحضنني أو ماذا يقولون. قد طار عني عقلي، ولا أعي شيئًا مما يدور حولي.

كل ما أذكره: «اصبري عشان ماما.. خليكي قوية، وقوّوا بعضكم، وشدّوا من أزر بعض.. ما تبكي، ما تحزني، ادعي له واقرأي له قرآن وتصدقي عنه. مات في أيام عظيمة وشهر مبارك. علمكم، ربّاكم، ما قصّر معاكم أبوكم. ما ساهل. ادعي له بالرحمة».

في البداية، ضايقتني كلماتهم كثيرًا لأنها تؤكد حقيقة رحيله التي لا يستوعبها عقلي اولا ثم ان كان حقا كذلك كيف لا يسمحون لي بالحزن؟ كيف يمنعونني من البكاء على والدي؟ ويظل لساني يردد: «أبوي.. أبوي.. بابا.. بابا» اناديه لعله يسمعني او يعاود لحظة فقط لاقول له كم احبك او اودعه وداعا يليق بعظمته.

ومنذ ذلك الوقت لازمني الألم والحزن والوجع.

الجميع جاءوا في لمح البصر من الأقارب والمعارف والأصدقاء، ووقفوا بجانبنا طوال أيام العزاء، ما يقارب الأسبوعين. لن ننسى لهم ذلك.

كلما جلست وحدي، تذكرت والدي ولحظاتنا الأخيرة. أستعيد كل لحظاتنا السعيدة والمريرة، التي أُبقيه بها حيًا في قلبي، وأتعهد بالدعاء بالرحمة والمغفرة. لم تكن لدي الرغبة في أي أحد، حتى لا يقطع سيل الذكريات، أو يحاول إخراجي من عزلتي، لكني مع ذلك، لا أنكر الدور الجميل الذي لعبه الأهل والأصدقاء والزملاء في وقفتهم لتخفيف أوجاع تلك المحنة العظيمة.

فكلما ضاقت نفسي من الوجع، وأطبقت الذكريات المريرة ووجع الفقد والفراق على رقبتي كالحبل تشنقني، يبعث الله لي من يعتق رقبتي ويداوي أوجاعي، ويخفف  آلامي، ويسكن ما في القلب من صرخات مكتومة. لم يهمد ذلك السرطان المتفشي، ولم أتجاوزه حتى جاءت عليها مصيبة الأكبر.

وكانت أمي كثيرًا ما تحذرني من ذلك الحزن، حتى لا يأتي لي بحزن أكبر، فأقول لها: أي حزن أكبر من ذلك يا أمي؟ فكانت فاجعة رحيلها هي التي ضغطت على ذلك الجرح، وهذه حكاية أخرى أعيش تفاصيل حزنها بألم متجدد كل لحظة. فاكتوى قلبي من نفس الخنجر وفي ذات الجرح، يفاجئني القدر برحيلها دون إنذار.

وجع متتابع، خيار من خيار، كلاهما من روحي ونفسي، كل منهما له تشكيلة وبصمة في حياتي، حلوها ومرها. فاجعة والدي لا تقل شيئًا عن فاجعة أمي، لكن أمي جاءت في وقت أنا أحوج للسكينة والطمأنينة من المصائب. رحمكما الله، يا كل من بعضي.

لكن عند وفاة والدي، كأن الله يرسل الصبر تترى يومًا بعد يوم على قلوبنا الثكلى والمفجوعة، وكأن قلوب أولئك الطيبين الأنقياء بلسَمًا يضعه الخالق على قلوبنا، حتى يطيب ما بها من جروح، ويبرد ما بها من نيران الشوق، ولهيب الحسرة، وأشواك الندم.

ورغم ذلك، أجحفت في حق هذه النعمة والرحمة التي أرسلها الله لنا، وشعرت أن لا أحد منهم يمكنه تخفيف ذلك الحزن الكبير، ولا أحد يستطيع ملء ذلك الفراغ الشاسع الذي تركه.

ممتنة أنا جدًا لكل يد مدت العون لي بالسؤال والدعاء حتى الآن، ولكل من حضن واحتوى ضعفي، وغمرني بدفء عاطفته الصادقة، لكل الأهل والأصدقاء والمعارف، لكل الذين لا يزالون يسألون عنا ويطمئنون على أحوالي.

أنا الآن أطمع في المزيد منكم. ضموني في دعواتكم، حفّوني بالسؤال، انتشلوني من غياهب ذلك الحزن المميت، عسى ولعل دعوة أحدكم تُفتح لها الأبواب في ساعة استجابة، ليربط الله على قلبي السكينة، وينزلها تباعًا على نفسي بفضل دعواتكم تلك، فدعوة المؤمن لأخيه مستجابة.

حقًا أفتقد الجو العائلي الذي كان موجودًا في وفاة والدي، والذي كان يمكن أن يكون له الدور بإحاطة أفراد العائلة والأطفال بي من كل جانب، في مداواة جراحي، لو أني أدركت ذلك حينها. فوجودي حول أمي، ووسط إخواني وأبناء إخواني والأعمام والعمات والأقرباء والأصدقاء، والنظر في عيونهم، دواء من نوع خاص. لكني حينها شعرت أن كل ذلك لا قيمة له، وأن النعمة الوحيدة في حياتي هي وجود والدي، وانتهت، حتى إنني كنت إذا سألني أحد عن حالي أكتفي بالحمد، ويعجز لساني عن أن أقول إني في نعمة، لأني كنت أحس أنني أفتقدها.

لم أكن أصدق أمي عندما كانت تقول لي، كلما نالت منها الهموم والأحزان، إنها تنسى كل شيء بمجرد النظر إلى وجوهنا وعافيتنا بقربها. لم أفهم ما تقوله حينها، ولم أعَ كيف ذلك؟ كيف تكون مهمومة وقلبها غارقًا في الأحزان، وتقول لنا: «كان لقيت عافيتكم ونظرتكم، إنتو تاني ما عايزة حاجة من الدنيا»؟ كانت تقول لي إن الأهل نعمة.

كنت أظنه محض كلام يقال، رغم أني أحب أهلي وأعزهم جدًا، لكني أدركت أن وجود الأهل والعائلة والأصدقاء في وقت الشدة يمكن أن يذهب غيوم الحزن الجاثم على القلب، ويخفف الوجع. دعواتهم الصادقة، وتربيتهم على أكتافنا، تنفض غبار الأسى وتُطيّب الجراح، وتنثر حبات السرور قطرًا على ندوب القلب المكلوم.

يا إلهي، لم تكن أمي تبالغ، إنها محقة. الأهل نعمة عظيمة، وهبة كريمة من الله.

عزائي الأكبر في مغفرة الله وواسع رحمته، ويقيني أنه سيسكن والدي فسيح جناته، ويتقبلهما شهداء عنده، ويحشرهم مع زمرة الأنبياء والصديقين، وحسن أولئك رفيقًا. إلى جانب الإيمان بالآخرة، وأن الله سيجمعني بهم مجددًا في جناته، وسألقاهم في أبهى صورة، لأني موقنة من حبهم لي مثلما أنا أحبهم، في جنة لا عتاب فيها ولا خذلان، لا فقد فيها ولا هجران.

ساعتها لن أعاتبهما لأنهما تركاني وحدي أجابه صراع رحيلهما المر، دون أن يخبراني أنهما راحلان، مع أنهما لوّحا لي بذلك في آخر أيامهما، لكني كعادتي أميل لعدم التصديق في مثل هذه الحالات.

حتماً سأجدهما منعمين مكرمين، سالمين معافين، وسيأخذانني في حضنهما، يضمانني في شوق وحب في الآخرة، مثلما عوداني في الدنيا، فينسيني هذا كل مرارة الفقد.

رحمكما الله يا أبي وأمي، وجمعني بكما في دار لا فراق فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى