تحليل ورأي

عين على الواقع: عيد الجيش السوداني…حين يكون الوطن هو المعركة

اعتدال احمد الهادي

عاد القصر الجمهوري إلى واجهة المشهد الوطني وهو يكتسي حلة زاهية تشرح النفس وتبعث الطمأنينة، واستعاد المتحف الحربي ذاكرته ومكانته، ومن قلب العاصمة أطل عيد الجيش 72  هذا العام في صورة مختلفة، الخرطوم التي أثقلتها الحرب وغيّبت عنها طويلاً مظاهر الحياة، الأن بدأت تستعيد شيئاً من ألقها  وجمالها وملامحها التي نعرفها ونحنّ إليها.
المشهد ليس مجرد مراسم عسكرية أو احتفال بذكرى وطنية فعودة المناسبة إلى قلب الخرطوم تحمل معنى يتجاوز الاحتفال نفسه إنها إشارة إلى عودة العاصمة إلى قلب الدولة، أن الحياة مهما انكسرت قادرة على النهوض من بين الركام ومن حول القصر الجمهوري والمتحف الحربي، تتجاوز المناسبة حدود المكان لتصل إلى وجدان السودانيين في الداخل والخارج تمنحهم قدراً من الطمأنينة وتعيد إليهم شيئاً من الإحساس بأن الخرطوم استعادت عافيتها، وستردت الدولة رموزها وذاكرتها ومؤسساتها.
لكن خلف هذه الصورة الاحتفالية يقف سؤال أكبر: أي وطن نريد أن تستعيده الخرطوم؟ وأي دولة نريد أن تعود إليها القوات المسلحة بعد أن تضع الحرب أوزارها؟ كلمة السيد رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان تكتسب دلالة تتجاوز التهنئة بالمناسبة فحين يؤكد أن الشعب السوداني هو صاحب الحق الأصيل في تقرير مصيره واختيار من يحكمه، فإنه يضع العلاقة بين الجيش والشعب في إطارها الوطني الصحيح: القوات المسلحة ليست بديلاً عن إرادة السودانيين، وإنما مؤسسة يفترض أن تحمي الدولة، وتصون سيادتها، وتحفظ حق شعبها في تقرير مستقبله وقد أشار البرهان، في كلمتة، إلى وقوف الشعب إلى جانب القوات المسلحة منذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023، واعتبر ذلك من الوقفات المضيئة في تاريخ الجيش والشعب السوداني وهذه الإشارة ليست تفصيلاً عابراً فالحرب بالنسبة إلى السودانيين لم تكن خبراً يُتابع من بعيد، وإنما كانت امتحاناً يومياً للأمان والكرامة والبيت والأسرة ومستقبل الأبناء. وقف الشعب مع جيشه لأنه رأى فيه عنواناً لبقاء دولته في مواجهة خطر التفكك، وأدرك أن انهيار المؤسسة الوطنية الجامعة قد يفتح الباب أمام الفوضى وتعدد مراكز القوة
فالشعب الذي يسند جيشه في ساعة الخطر هو نفسه الشعب الذي ينتظر منه أن يصون حياته وكرامته، وأن يجعل من القوة طريقاً إلى استعادة الدولة واستقرارها وهنا تحديداً يجب أن يتجاوز عيد الجيش معنى الاحتفال إلى معنى المسؤولية.
حقا استطاع الجيش أن يحسم المعركة في الميدان، لكن على الدولة أن تخوض معركة إعادة البناء. لذلك فإن المعركة الأكبر بعد الحرب ستكون معركة استعادة الحياة.
عندما قال الشعب السوداني جيشا واجد شعب واحد لم يمليها عليه أحد ، فقط رأى في حماية دولتة معركة تخصه لكنه الان هو نفسه يخوض معركة لا تقل قسوة ، معركة حياة في ظل غلاء الأسعار، وتدهور الاقتصاد، وعدم استقرار سعر الصرف، وارتفاع تكاليف الغذاء والدواء والخدمات والكهرباء. وكما وقف المواطن مع جيشه في معركة الوطن، فإنه ينتظر من الدولة ومؤسساتها أن تقف إلى جانبه في معركتة؛ فحماية الوطن لا تكتمل بحماية أرضه وسيادته فقط، وإنما بحماية الإنسان الذي يعيش على أرضه وصون كرامته وتوفير مقومات الحياة له. الجيش يخوض معركة حماية الوطن، والمواطن يخوض معركة البقاء داخله، وكلاهما في النهاية يخوض معركة السودان.
السودان لا يستطيع أن يخرج من محنته بمنطق الغالب والمغلوب وحده. إنه يحتاج إلى دولة قوية، وعدالة منصفة، ومؤسسات موحدة، وإرادة سياسية تتقدم على حسابات الاستقطاب.
وفي المقابل، فإن وقوف الشعب مع الجيش لا ينبغي أن يتحول إلى جدار يفصل القوات المسلحة عن النقد الوطني المسؤول. فالمؤسسة التي تحظى بثقة الشعب تكون أقوى حين تستمع إلى مخاوفهم، وتعلن بوضوح أولوياتها، وتضع حماية المواطنين في مقدمة أهدافها.
الثقة لا تُبنى بالخطب وحدها، وإنما بالقرارات التي يلمس المواطن آثارها في الأمن والخدمات والعدالة.
لكننا في الوقت نفسه نضع أمام هذه المؤسسة الوطنية سؤالاً بحجم هذا الوطن: ماذا بعد الحرب؟ الجيش الذي وقف الشعب إلى جانبه مطالب اليوم بأن يقف أكثر قرباً من الشعب؛ يحميه، ويصون كرامته، ويعمل على أن تكون نهاية الحرب بدايةً لدولة سودانية أكثر تماسكاً وعدلاً.
نحي في عيد الجيش ضباطه وضباط صفه وجنوده، ونترحم على شهداء معركة الكرمة وننحني أمام صبر الأسر السودانية التي دفعت ثمناً باهظاً لهذه الحرب وليكن هذا العيد موعداً لتجديد الوفاء للشهداء، ولحماية الأحياء، ولإعلاء قيمة الدولة، وللعمل من أجل التعمير والبناء. وليكتمل الانتصار بأن يجد أبناء هذا الوطن في جيشهم سنداً للدولة، وفي دولتهم ملاذاً آمناً، وفي مستقبلهم أملاً يستحق أن يُبنى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى