تحليل ورأي

عين على الواقع: الخرطوم…حين تنتصر الحياة شكرا مجلس السلم الإجتماعي

اعتدال احمد الهادي

 

1/ ​«استمعتُ واستمتعتُ وأنا أتابع مهرجان “ملتقى السلم الاجتماعي”، الذي نظمه المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي بحضور رئيس مجلس الوزراء السيد كامل إدريس لقد فاقت الكلمات التي أُلقيت حدّ التوقع بما حملته من طمأنينة وبعثٍ للأمل في النفوس، وما زادني إعجاباً ما رأيته في المعرض المصاحب.

2/​ حديث رئيس المجلس عن تعافي الخرطوم لم يكن مجرد خطاب أُلقي في مناسبة عامة، بل كان تشخيصاً لواقعٍ بدأ يتشكل بالفعل منذ تحرير العاصمة؛ يؤكد أن هذه المدينة المثلثة اختارت الحياة. فالمهرجان لم يكن مجرد فعالية عابرة، بل رسالة وطنية مكتملة الأركان تقول بوضوح: الخرطوم تتنفس من جديد.»

فمنذ اللحظة الأولى، كان واضحا أن الهدف يتجاوز الكلمات والخطب إلى تقديم صورة حقيقية لسودان يجمع أبناءه رغم الجراح ما يلفت الانتباه في المهرجان ليس المنصة والكلمات التي قيلت فحسب وإنما ذلك المشهد الذي جمع ابناء الشعب الواحد من مختلف أقاليم السودان من من شماله وشرقه وغربه ووسطه بمختلف الوانهم وثقافاتهم وتنوعهم المميز في لوحة تؤكد أن السودان رغم ما مر به ما زال قادرا على الاجتماع تحت راية واحدة و المعرض المصاحب لا يقل أهمية من الكلمات التي قيلت على المنصة، عكس تنوع المنتجات السودانية والموروثات الشعبية والتراث الثقافي ثراء هذا الوطن، وكأن الرسالة تقول إن السودان ليس ساحة حرب بل وطن حضارات وثقافات وإبداع وأن ما يجمع أهله أكبر بكثير مما حاولت الحرب التي افتعلتها مليشيا ال دقلو أن تفرقه.

3/ بالنسبة لي هذا التعافي ليس مفاجئا فمنذ شهر أغسطس من العام الماضي، وخلال فترة عملي بوزارة التعليم والتربية الوطنية كنت أشاهد يوما بعد آخر مؤشرات العودة رأيت المؤسسات تستأنف نشاطها، والكوادر تعود إلى مواقعها، والحركة تدب في الشوارع والمرافق رغم حجم الدمار الكبير الذي خلفته الحرب أدركت أن الخرطوم لن تستسلم وأن المدينة التي اعتادت أن تنهض بعد كل محنة ستتعافى مهما طال الزمن.
الطريق لم يكن سهلا ولا آثار الحرب هينة لكن إرادة السودانيين أكبر من الخراب والدمار. ونحن نعلم ان المدن لا تقاس بما تهدم فيها من مبانٍ وإنما بما تبقى في أهلها من عزيمة وإصرار على استعادة الحياة.

4/ والناظر الخرطوم وهي تستقبل أبناء السودان من مختلف أقاليمه، وتفتح ساحاتها لعرض منتجاته وتراثه وموروثاته الشعبية، يوقن أن المدينة استعادت شيئًا من روحها التي حاولت مليشيا ال دقلو أن تنتزعها. فالخرطوم عادت تعانق أبناءها شامخة كما كانت تعانق ملتقى النيلين، وعادت تؤكد أنها ستظل قلب السودان النابض مهما حاولت المليشيا والمرتزقة أن تنال منها ولعل هذا ما يفسر التصريحات الأخيرة لقائد المليشيا، بعد أن غادرتها قواته وهي تجر اذيال الخيبة بعد للدمار الذي خلفته في المدينة شردت سكانها ونهبت ممتلكاتهم، فرأى راعي القطيع انها تستعيد عافيتها فاراد يبعث برسالة مختلفة يحاول رفع الروح المعنوية لقواته بعد الانتكاسات التي شهدتها جبهات عدة من كردفان قائلا ان هدفه الخرطوم لكن نقول له هيهات هيهات فالخرطوم تجاوزت تلك المرحلة، استعادت ثقتها بنفسها فحلمك هذا لا يتجاوز المايك الذي تتحدث به.

5/ وكما قال رئيس الوزراء كامل إدريس: “كردفان على مرمى حجر بإذن الله، ودارفور الكبرى آتية لا محالة.” وهي عبارة تعكس ثقته في المرحلة المقبلة أما ثقتنا كسودانيين، فتظل معقودة على أن يستمر التعافي، وأن تمتد العودة إلى كل شبر من الوطن، اليوم عادت جامعات الخروطوم وانتظمت الدراسة واستعادة مؤسسات الدولة دورها وهذه ليس مجرد أمنيات بل امتداد لما بدأ على الأرض منذ وقت مبكر وهذا ما يجعل رسائل الطمأنة التي خرج بها ملتقى السلم الاجتماعي ذات أهمية كبيرة لأنها تخاطب السودانيين في الداخل والخارج بأن الخرطوم عادت إلى مكانتها وغدا تعود كردفان وتعود دارفور باذن الله.
فما لمسته بالأمس أصبح واقعا يراه الجميع فالخرطوم لا تدعي التعافي، بل تمارسه خطوة بعد أخرى وما مهرجان السلم الاجتماعي إلا أحد شواهد هذه العودة، لأنه أعاد جمع السودانيين في مساحة واحدة، وأكد أن التنوع الثقافي والاجتماعي يمكن أن يكون مصدر قوة لا سببا للفرقة.
وستظل الخرطوم رغم جراحها مدينة تعرف كيف تنتصر على الألم وكيف تحول المحنة إلى بداية جديدة بإرادة شعب آمن بأن الوطن لا يُبنى إلا بأبنائه نعم قد تحتاج إلى مزيد من الوقت لتستعيد كل تفاصيلها، لكن الأهم أنها استعادت روحها وحين تعود الروح، يصبح كل شيء آخر ممكنا فالحياة أقوى من الحرب السودان مهما اشتدت عليه المحن يظل قادرا على النهوض من جديد.
شكرا المجلس الأعلى للسلم الإجتماعي على هذا التنظيم الراقي وشكرا لإعلام المجلس الذي اخرج هذا الكرنفال بحلة زاهية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى