Uncategorized

مبارك البلال و شتات صنوان في مواجهة المستحيل

اعتدال احمد الهادي: عن مبارك البلال نكتب ونحكي

صاحب مدرسة ريادية في الصحافة المجتمعية، كتب وصال وجال في باحات الصحافة الورقية، وفي ساحاتها تعلّمت على يديه أجيال، كان واحدا من أعرق الأسر الإعلامية أسرة البلال التي عرف عنها السودانيون الكثير وكانت جزء اصيل من مدينة امدرمان عرفو بالتكافل والفزعة والوقوف إلى جانب المجتمع أسرةً متصوفة دينية ينحدر أصلها من ولاية نهر النيل، هذه الولاية المعطاءة البكر التي تعطي ولا ينضب معينها، والتي ظلت ترفد السودان برجال تركوا أثرهم في ميادين مختلفة.
أولاد البلال كما يحب أن نطلق عليهم: عاصم وأحمد وياسر ومبارك، إخوة تجدهم متحدون فيما بينهم، أسسوا معًا صرحًا إعلاميًا كبيرًا، «أخبار اليوم» الذي خرجت من رحمه لاحقًا صحيفة «الدار»، الصحيفة التي ترأسها مبارك البلال لسنوات طويلة.
وهنا تبدأ حكاية أخرى فالدار لم تكن مجرد صحيفة تضاف إلى رفوف الصحافة السودانية وإنما كانت مدرسة في الصحافة المجتمعية كانت ترصد حياة الناس وقضاياهم ومشاكلهم وأخبارهم الاجتماعية والرياضية وتقترب من الملفات الحساسة التي كانت الصحافة تحتاج إلى شجاعة للاقتراب منها خاصة قضايا الجرائم والمجتمع، نافستها صحف عديدة وحاولت أن تأخذ موقعها، لكن لم يكن لها النفس الطويل، أما «الدار»، وعلى رأسها مبارك البلال استطاعت أن تعبر بالصحافة المجتمعية إلى مساحة أوسع حتى أصبحت في سنوات طويلة تتربع على صدارة الصحف السودانية من حيث التوزيع والمبيعات حتى رشح انها حملت اخبار اليوم التي ولدت من رحمها على اكتافها.
كان المسافر إلى ود مدني، أو نهر النيل، أو كسلا، أو أي ولاية من ولايات السودان، يجد «الدار» رفيقا للطريق لأنها كانت تحمل إليه شيئا من أخبار المجتمع، وقضايا الناس التي تشبهه وتهمه وهذا هو سر الصحافة التي تقترب من الناس، أن يشعر القارئ أن الصحيفة لا تتحدث عنه من بعيد، وإنما تتحدث إليه.
ظل مبارك البلال على رأس «الدار» سنوات طويلة، لكنه لم يتميز فقط بما صنعه مهنيا، وإنما أيضا بهدوئه، وجمال كلمته، وتهذيب نفسه، رجل عصامي يعرفه أهل الإعلام، ويعرفون كذلك أن علاقته بالصحافة لم تكن علاقة وظيفة، وإنما عشق.
عشق للحبر والورق والكلمة، ولذلك لم تكن الحرب وحدها قادرة على إيقاف عطائه، كما لم تستطع الإصابة أن تفعل و حين أصيب مبارك بالشلل كان يمكن أن يتوقف لكنه لم يفعل تحامل على نفسه، وتمسك بما أحب وظل عاشقا للإعلام والصحافة، وكأن الإصابة لم تفعل أكثر من أن تضيف إلى تجربته درسا جديدا في الصبر فبعض الناس تضعفهم الأزمات، وبعضهم تكشف الأزمات معدنهم ومبارك من أولئك الذين كشفتهم الأزمة أكثر مما أوقفتهم.
ومن هنا ندرك لماذا كان تكريم شركة «شتات» له أكثر من مجرد احتفائية فشركة شتات للمعدات الزراعية، التي اختارت أن تكرم قامة إعلامية كبيرة، جاءت هي نفسها من تجربة صعبة، ومن رحم معاناة فرضتها الحرب، لكنها لم تختر الانكفاء، بل اختارت أن تبدأ وأن تعمل وأن تبحث عن مساحة لها في مستقبل السودان وهنا تلتقي الحكايتان فشتات ومبارك صنوان متوازيان.
مبارك خرج من أزمة المرض، وشتات خرجت من أزمة الحرب.
مبارك واجه أزمةً أصابت جسده، وشتات واجهت أزمةً أصابت وطنًا بأكمله لكن الاثنين اختارا الطريق نفسه ولهذا بدا التكريم وكأنه لقاء بين تجربتين متوازيتين تجربة رجل قاوم الألم ليواصل العطاء، وتجربة شركة قاومت ظروف الحرب لتواصل الإنتاج وربما لهذا تحديدا كان اختيار مبارك البلال من شركة تعمل في مجال المعدات الزراعية اختيارا يحمل معنى أكبر مما يبدو.
فالذي يحرث الأرض ويزرعها يعرف قيمة من يحرث طريق الوعي وهذا ما عبر عنه رجل الأعمال باش مهندس إبراهيم الحبيب حين قال إن الإعلام الصادق ليس مجرد مهنة، وإنما مسؤولية وذاكرة وطن.
لم يكن الحبيب صحفيا، ولم تكن شتات مؤسسة إعلامية، ومع ذلك رأى في الصحفي قيمة تستحق الاحتفاء.
وهنا تكمن جماليات المبادرة أن يأتي التكريم من خارج الوسط الإعلامي.
فحين يكرم أهل المهنة واحدا منهم، يكون ذلك وفاء مستحقا.
لكن حين يلتفت رجل أعمال، ينتمي إلى مجال مختلف تماما، إلى صحفي ويقول له: نحن نرى ما قدمت، فهذه رسالة للمجتمع كله بأن الإعلام ليس شأنًا يخص الإعلاميين وحدهم.
الإعلام ذاكرة المجتمع والصحافة الصادقة جزء من بناء الوطن، مثلها مثل الزراعة والإنتاج والتعليم والفن ولذلك لم يكن غريبا أن يجتمع في احتفائية مبارك البلال إعلاميون وأكاديميون ورجال أعمال وفنانون ورياضيون ونجوم مجتمع فالرجل الذي قضى سنوات في خدمة الصحافة كان قد ترك أثرا في أكثر من مساحة.
وهنا تصبح الاحتفائية أكبر من اسم مبارك البلال تصبح احتفاء بفكرة الوفاء لأصحاب الأثر ونحن في أحوج ما نكون اليوم إلى هذه الثقافة.
ثقافة التكريم قبل فوات الاوان وأن نقول للصحفي: شكرا قبل أن يصمت قلمه وللفنان: شكرا قبل أن ينتهي صوته وللمعلم: شكرا قبل أن يغادر آخر فصل درّسه ولكل من أعطى هذا الوطن شيئا
شكرا شتات شكرا باشمهندس حبيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى