كهرباء السودان.. حين تتحول العودة إلى العاصمة إلى اختبار قاسٍ للصمود

وليد دليل/خبير مصرفي
تحمل أرقام عودة النازحين إلى السودان بشرى ظاهرها التعافي، فقد تراجع عدد النازحين داخلياً بنسبة 24% مقارنة بذروته في مطلع 2025 حين تجاوز 11.5 مليون شخص، وعاد أكثر من 4.4 ملايين سوداني إلى مناطقهم الأصلية بحلول يونيو الماضي، منهم ما يقارب مليونين ومئة ألف عائد إلى الخرطوم وحدها. غير أن قراءة اقتصادية متأنية لهذا المشهد تكشف أن الرقم المبشر على السطح يخفي تحته معادلة أكثر قسوة: عودة سكانية كبرى إلى مدينة فقدت البنية التي تُبقيها قابلة للحياة، وفي مقدمتها شبكة الكهرباء التي تحولت من خدمة أساسية إلى عائق حقيقي أمام أي تعافٍ اقتصادي منشود.
الأرقام التي يوفرها قطاع الطاقة السوداني نفسه تكشف حجم الكارثة بوضوح لا يحتمل التأويل: خسائر تتجاوز خمسة مليارات دولار لحقت بالبنية التحتية الكهربائية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وفقدان أكثر من 37% من الطاقة المولدة، وتخريب ما يقارب 150 ألف كيلومتر من خطوط النقل، وضياع نحو 15 ألف محول كهربائي جرى نهبها أو تدميرها بالكامل. وفي أوج الأزمة مطلع إبريل الماضي، بلغ العجز في التوليد نحو 3300 ميغاواط نتيجة توقف معظم محطات الكهرباء الرئيسية، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن البلاد فقدت ما يقارب 70% من قدرتها الإنتاجية الإجمالية، ولم يتبقَّ منها فعلياً سوى نحو 1250 ميغاواط، أي أقل من نصف الاحتياج الفعلي للسودانيين. النتيجة المباشرة لهذا الانهيار هي ساعات انقطاع قد تمتد إلى عشرين ساعة يومياً في بعض الولايات، تتزامن مع موجة حر غير مسبوقة تجاوزت فيها الحرارة 44 درجة مئوية.
المفارقة المؤلمة أن هذا الانهيار في التوليد والنقل يتقاطع زمنياً مع أكبر موجة عودة يشهدها السودان منذ اندلاع الحرب. فولاية الخرطوم استقبلت وحدها نحو 1.8 إلى 2.1 مليون عائد، أي ما يقارب 40 إلى 48% من إجمالي العائدين في عموم البلاد، وفق تقديرات متقاربة صادرة عن جهات أممية معنية بملف النزوح. لكن هؤلاء العائدين يجدون أنفسهم أمام مدينة لا تزال منهكة: نحو 70% من المنازل في الخرطوم تعرضت لدمار جزئي أو كلي، والبنية التحتية للمياه والكهرباء والخدمات الصحية والتعليمية شبه غائبة. حين تلتقي موجة عودة بهذا الحجم بشبكة كهرباء عاجزة أصلاً عن تلبية الطلب القائم، فإن النتيجة الحتمية هي تفاقم الضغط على المحولات القليلة المتبقية، وتوسع رقعة الانقطاعات بدلاً من انحسارها، وهو ما بدأ يظهر فعلاً في شكوى مهندسي الكهرباء من أن دخول أحياء جديدة إلى الخدمة بات بطيئاً بسبب نفاد مخزون المحولات ومستلزمات التوصيل.
الكلفة الاقتصادية لهذا المشهد تتجاوز بكثير حدود قطاع الطاقة ذاته. فحين تضطر الأسر العائدة، التي استنزفت مدخراتها أصلاً خلال سنوات النزوح واللجوء، إلى الاعتماد على مولدات صغيرة أو ألواح شمسية فردية لتشغيل أبسط احتياجاتها المنزلية، فإن ذلك يعني تحويل جزء كبير من دخلها المحدود إلى كلفة طاقة كان يفترض أن تكون خدمة عامة ميسّرة. وحين يتكرر المشهد نفسه على مستوى المنشآت الصغيرة والورش والمحال التجارية التي تمثل العمود الفقري لإعادة إحياء الاقتصاد المحلي في الأحياء العائدة إلى الحياة، فإن كلفة الطاقة تتحول إلى عائق حقيقي أمام أي تعافٍ اقتصادي منشود، بل تضع علامة استفهام كبيرة حول جدوى دعوات العودة نفسها إن لم تواكبها التزامات فعلية بإعادة تأهيل الخدمات الأساسية. وقد لجأت مجتمعات محلية كاملة، مثل سكان جزيرة توتي وسط الخرطوم، إلى تمويل مشروعات طاقة شمسية ذاتية لتشغيل محطات المياه الرئيسية، في مؤشر دال على أن المواطن بات يسد فراغ الدولة بموارده الخاصة الشحيحة، وهو نمط تكيّف مكلف اقتصادياً ولا يمكن أن يُبنى عليه تصور مستدام لعودة الحياة إلى العاصمة.
القطاع المصرفي بدوره ليس بمنأى عن هذا الاختلال، فاستقرار الخدمات المصرفية الإلكترونية وأجهزة الصراف الآلي في الأحياء التي تشهد عودة سكانية مرتبط عضوياً باستقرار التيار الكهربائي، وأي تعثر في هذا الملف يعني تأخر عودة النشاط المصرفي إلى مناطق حيوية من العاصمة في وقت تحتاج فيه الأسر العائدة أكثر من أي وقت مضى إلى قنوات مالية تُيسّر حصولها على التحويلات والمساعدات. وتزداد الصورة تعقيداً حين نضع في الاعتبار أن الاستجابة الإنسانية الدولية لملف النزوح والعودة لم تُموَّل حتى الآن سوى بأقل من خمس احتياجاتها المقدرة لعام 2026، ما يعني أن الفجوة بين حجم العودة وقدرة الدولة والمنظمات الدولية على توفير الخدمات المرافقة لها ستستمر في الاتساع ما لم يُعاد ترتيب الأولويات بشكل جذري.
أن أرقام العودة، رغم ما تحمله من دلالة رمزية على استعادة الأمن في العاصمة، لا تعني بالضرورة استعادة الحياة الطبيعية. فالسودان يقف اليوم أمام معادلة بالغة الصعوبة: موجة عودة سكانية كبرى تتطلب توسعاً عاجلاً في شبكة الكهرباء والخدمات الأساسية، مقابل قطاع طاقة أنهكته الحرب وفقد أكثر من ثلثي قدرته، في ظل موازنة عامة شحيحة وعقوبات اقتصادية تُصعّب استيراد قطع الغيار والمعدات اللازمة لإعادة التأهيل. وما لم تتحول خطط إعادة تأهيل الكهرباء من إعلانات وزارية متكررة إلى مسارات تمويل فعلية تشرك القطاع الخاص والصيغ التمويلية الإسلامية القادرة على ضخ رأس المال في البنية التحتية، فإن مشهد العائدين الذين يجدون منازلهم مظلمة وشبكة مياههم متوقفة سيتكرر أكثر مما ينحسر، وستبقى دعوات “عودة الحياة إلى الخرطوم” شعاراً سياسياً يسبق الواقع بخطوات كثيرة.