إعمار بالشعارات ورسوم على الشمس ازمة الكهرباء السودانية بين تصريحات الوزارة وواقع المواطن

وليد دلبل _ خبير مصرفي
لم تعد أزمة الكهرباء في السودان مجرد عطل فني يمكن إصلاحه بجرة قلم أو ورشة عمل، بل غدت عنواناً كاشفاً لمأزق دولة بأكملها، تتقاطع فيه الحرب مع ضعف الإدارة، ويتقاطع فيه غياب الخبرة الفنية مع سياسات مالية تُثقل كاهل المواطن بدل أن تخفف عنه. فبينما يعلن وزير الطاقة أن حجم الخسائر في قطاع الكهرباء بلغ نحو تسعة مليارات دولار، وأن إعادة الإعمار “معركة وطنية” تستوجب تضافر الجهود، تُقدم وزارته في اليوم ذاته تقريباً قراراً بفرض رسوم جديدة على مستلزمات الطاقة الشمسية، التي تحولت في السنوات الأخيرة من رفاهية إلى شريان حياة لملايين السودانيين الذين انقطعت عنهم الكهرباء الرسمية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
المفارقة هنا ليست شكلية، بل جوهرية. فحين تعجز الدولة عن توفير الكهرباء عبر شبكتها التقليدية، يلجأ المواطن إلى حل بديل يمول من جيبه الخاص، دون دعم حكومي ودون قروض ميسرة، ليجد نفسه بعد ذلك أمام رسوم تصل إلى ألف جنيه على كل لوح شمسي، وألف جنيه على كل كيلو فولت أمبير من العاكس، ومئة جنيه على كل أمبير ساعة من البطارية، فضلاً عن رسوم تسجيل تجاري تتجاوز نصف المليون جنيه للأفراد ومليون جنيه للشركات. هذه الأرقام، مهما كانت مبررات فرضها من الناحية الإيرادية، ستنتقل حتماً إلى المستهلك النهائي، لأن التاجر والمورد لا يتحملان أعباء إضافية دون تسعيرها ضمن هامش الربح. والنتيجة المتوقعة أن تتراجع القدرة الشرائية لأسر كانت قد وجدت في الطاقة الشمسية طوق نجاة من الظلام، لا مصدر ثراء أو استثمار كمالي.
والأدهى أن هذه الرسوم تأتي في وقت لا تملك فيه الدولة بديلاً جاهزاً يعوض المواطن عما ستفرضه عليه من كلفة إضافية. فالشبكة الكهربائية الوطنية، بحسب تصريحات وزارة الطاقة نفسها، تعرضت لدمار ممنهج طال محطات التوليد الحراري الكبرى كأم دباكر وقري، وأخرج عدداً منها عن الخدمة بالكامل، بينما لا تزال دراسات الجدوى الاقتصادية اللازمة لإعادة التأهيل في طور الإعداد لا التنفيذ. بعبارة أخرى، يُطلب من المواطن أن يتحمل كلفة أعلى لبديل غير حكومي، في ذات اللحظة التي يبقى فيها البديل الحكومي عاجزاً عن الوفاء بالتزاماته الأساسية.
هل توجد حلول حقيقية لأزمة الكهرباء في السودان؟ الإجابة نعم من الناحية الفنية، لكنها مشروطة بترتيب أولويات مختلف عما هو قائم اليوم. فالحل لا يبدأ بفرض الرسوم على البدائل الشعبية، بل بإصلاح هيكلي يشمل ثلاثة محاور متزامنة: أولها إعادة تأهيل محطات التوليد القائمة بتمويل واضح المصادر ومحدد الجدول الزمني، بدل الاكتفاء بالبيانات الصحفية والورش التي تكرر الشعارات دون آليات تنفيذ ملموسة. وثانيها تحرير الاستثمار في الطاقة الشمسية من القيود التي تعيق انتشارها، عبر إعفاءات جمركية وضريبية مؤقتة تشجع الأسر والمنشآت الصغيرة على التحول للطاقة النظيفة، بدل تحميلها أعباء جديدة تدفعها نحو السوق غير الرسمي أو تحرمها من الخدمة أصلاً. وثالثها إصلاح إدارة قطاع التوزيع، الذي طالما عانى من الفاقد الفني وغير الفني، ومن ضعف التحصيل، ومن غياب الحوكمة المؤسسية التي تضمن استدامة الإيرادات وإعادة توجيهها نحو الصيانة والتطوير لا نحو النفقات التشغيلية فحسب.
غير أن الحديث عن الإصلاح المؤسسي يقود بالضرورة إلى سؤال أكثر حساسية، وهو سؤال الكوادر الفنية. فقد شهد قطاع الكهرباء، ضمن قطاعات حكومية أخرى، عمليات فصل واسعة طالت أعداداً كبيرة من المهندسين والفنيين ممن قضوا سنوات في تشغيل وصيانة الشبكة، في إطار قرارات لجان التفكيك التي أعقبت التغيير السياسي عام 2019. وأياً كانت المبررات السياسية والإدارية التي سيقت وقتها، فإن الأثر الاقتصادي والفني لتلك القرارات بات واضحاً اليوم: فراغ في الخبرة التراكمية التي لا تُبنى بين ليلة وضحاها، وصعوبة في تعويض كوادر مدربة على تشغيل محطات بعينها ضمن ظروف استثنائية تفرضها الحرب. فالكهرباء ليست مرفقاً إدارياً عادياً يمكن أن يُدار بكوادر بديلة سريعة التكوين، بل منظومة فنية دقيقة تراكمت خبرتها عبر عقود، وأي إخلال بها ينعكس مباشرة على جودة الخدمة واستقرارها، وهو ما يفسر جزءاً من التعثر الحالي في إعادة تشغيل محطات كان يمكن، في ظروف طبيعية، إصلاحها بسرعة أكبر.
في المحصلة، فإن إعادة إعمار قطاع الكهرباء السوداني لن تتحقق بالشعارات وحدها، ولا بفرض رسوم جديدة على المواطن الذي اضطر أصلاً لتمويل حل بديل من جيبه الخاص. فالمعركة الوطنية التي تحدث عنها وزير الطاقة تحتاج أولاً إلى معركة داخل الوزارة نفسها، لإعادة بناء الثقة مع المواطن عبر سياسات تحفز لا تعاقب، وتستعيد الكوادر الفنية المؤهلة بدل تهميشها، وتوازن بين الحاجة الملحة للإيرادات وبين واقع اقتصادي لا يحتمل مزيداً من الأعباء. فالكهرباء، كما وصفها الوزير نفسه، ركيزة أساسية لكل القطاعات الإنتاجية والخدمية، وإذا كانت هذه الركيزة تُبنى على حساب المواطن الذي بحث عن الشمس بديلاً عن الظلام، فإن إعادة الإعمار ستظل عنواناً بلا مضمون.