تحليل ورأي

ميناء بكين وحساب شنغهاي.. هل تصنع خطوتان صينيتان اقتصادًا سودانيًا؟

وليد دليل خبير مصرفي

في أسبوع واحد، خرجت من بكين وشنغهاي إشارتان تحملان وعدًا مضاعفًا للاقتصاد السوداني: الأولى مذكرة تفاهم وقّعتها هيئة الموانئ البحرية مع شركة “شاينا هاربر إنجنيرينغ” الصينية لتطوير البنية التحتية لموانئ البلاد وإنشاء موانئ جديدة، والثانية نجاح بنك أم درمان الوطني، بالتنسيق مع السفارة السودانية في بكين، في فتح حساب مراسل مباشر باليوان الصيني مع بنك الصين فرع شنغهاي. الخطوتان جاءتا في توقيت واحد تقريبًا، وحملتا زخمًا إعلاميًا كبيرًا باعتبارهما مؤشرًا على “انفتاح اقتصادي” جديد نحو الشرق. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح بهدوء بعيدًا عن حماس البيانات الرسمية هو: هل يملك أي من هذين الاتفاقين، بصيغتهما الحالية، القدرة على إحداث أثر فعلي وقابل للقياس على اقتصاد يرزح تحت وطأة حرب مستمرة وانهيار في البنية المالية والإنتاجية؟
لنبدأ من ملف الموانئ. الاتفاق الموقّع، بحسب صيغته المعلنة، هو “مذكرة تفاهم” لا عقد تنفيذي، وهذا فارق جوهري يغيب غالبًا عن التغطية الإعلامية المتحمسة. مذكرة التفاهم تعبّر عن نية للتعاون في مجالات محددة: تأهيل الرافعات الجسرية ومعدات المناولة، تطوير الأنظمة والشبكات، وإنشاء موانئ جديدة، لكنها لا تتضمن بذاتها التزامًا ماليًا محددًا، ولا جدولًا زمنيًا ملزمًا، ولا آلية تمويل واضحة. وميناء بورتسودان، الذي عانى لسنوات من عجز في استقبال السفن الكبرى وتراجع في نشاط إعادة الشحن، يحتاج فعلًا إلى استثمار من هذا النوع، لكن التاريخ القريب لمذكرات التفاهم بين السودان وشركاء دوليين متعددين يعلّم درسًا واضحًا: المسافة بين توقيع مذكرة وبين رافعة تعمل فعليًا على الرصيف طويلة، وتمر عبر محطات تمويل وتفاوض وترتيبات تعاقدية قد تستغرق سنوات، خصوصًا في بلد لا تزال فيه بيئة الاستثمار الأجنبي مثقلة بمخاطر أمنية وسياسية غير مسبوقة.
وحتى لو تحوّلت المذكرة إلى مشروع فعلي، يبقى السؤال عن هيكل التمويل والملكية أكثر أهمية من مجرد وجود الاستثمار. فالتجربة الصينية في تمويل موانئ وبنى تحتية بدول أخرى غالبًا ما تأخذ شكل قروض ميسّرة مقابل حقوق تشغيلية أو امتيازات طويلة الأجل، وهو نمط يستحق تدقيقًا خاصًا في الحالة السودانية، إذ إن أي التزامات مالية جديدة تُضاف إلى ميزان مديونية دولة تعاني أصلًا من ضائقة سيولة حادة، لا تتحول تلقائيًا إلى “دعم للاقتصاد” ما لم تُصمَّم شروطها بعناية تحفظ للدولة سيادتها على أصولها الاستراتيجية وعائداتها المستقبلية.
أما ملف الحساب المصرفي باليوان، فهو من ناحية المبدأ خطوة عملية أكثر واقعية من مذكرة الموانئ، لأنها لا تنتظر تمويلًا ولا مفاوضات معقدة، بل هي ترتيب مصرفي تشغيلي بحت. فتح حساب مراسل مباشر بين بنك أم درمان الوطني وبنك الصين يعني، من الناحية الفنية، أن التاجر السوداني الذي يستورد من السوق الصينية يمكنه إتمام التحويل باليوان مباشرة دون المرور عبر وسيط بعملة ثالثة، وهو ما يختصر الوقت ويقلل كلفة التحويل نسبيًا. لكن حجم الأثر الفعلي لهذه الخطوة على الاقتصاد الكلي يبقى محدودًا في حدود بنك واحد من بين منظومة مصرفية سودانية بأكملها لا تزال تعاني من ضعف حساباتها المراسلة مع العالم، ومن قيود الامتثال المصرفي الدولي، ومن أثر العقوبات والقيود التي تراكمت عبر سنوات. حساب مراسل واحد لا يعالج أزمة شح النقد الأجنبي التي يعيشها الاقتصاد السوداني ككل، ولا يغيّر من واقع أن الطلب على الدولار لا يزال هو المحرك الأساسي لتقلبات سعر الصرف في السوق الموازية.
وهنا يظهر الخيط المشترك بين الملفين: كلاهما خطوة إيجابية في اتجاهها العام، لكن كلاهما أيضًا محدود الأثر إذا نُظر إليه بمعزل عن البيئة الاقتصادية الأوسع التي يعمل فيها. فتطوير ميناء لا يصنع فارقًا كبيرًا إذا ظلت الطرق المؤدية إليه مثقلة بجبايات غير رسمية ترفع كلفة نقل البضاعة من الرصيف إلى السوق. وفتح قناة تحويل باليوان لا يغيّر معادلة الثقة في الجهاز المصرفي السوداني إذا ظل الاقتصاد الموازي والصرافة غير الرسمية يستوعبان حصة كبيرة من التدفقات النقدية خارج الأطر الرسمية. بمعنى آخر، هاتان الخطوتان تعالجان عرَضين محددين في منظومة معقدة، بينما تبقى الأمراض البنيوية الأعمق، من تشظي الجباية إلى غياب الاستقرار الأمني إلى ضعف الإنتاج المحلي، خارج نطاق أي اتفاق مع شريك خارجي مهما كان حجمه.
هذا لا يعني التقليل من قيمة الانفتاح على الشرق كخيار استراتيجي، فالصين شريك تجاري وازن يملك القدرة التمويلية والتقنية التي يحتاجها السودان في قطاع البنية التحتية، والتنويع في العملات والشركاء المصرفيين خطوة حكيمة في عالم تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالدولار. لكن الحكمة نفسها تقتضي عدم المبالغة في تصوير مذكرة تفاهم أو حساب مصرفي واحد على أنهما “نقلة اقتصادية”، بل التعامل معهما كخطوة أولى في مسار طويل، تُقاس قيمتها الحقيقية لاحقًا بمدى تحوّلها إلى مشاريع منفّذة وتدفقات تجارية فعلية، لا بعدد المصافحات التي وُثّقت في بكين.
في المحصلة، هذان الاتفاقان يستحقان الترحيب الحذر لا الاحتفاء غير المشروط. فهما لبنتان صغيرتان في جدار طويل يحتاج إلى استقرار سياسي وأمني، وإلى إصلاح مؤسسي يعيد للدولة احتكار قرارها المالي والجبائي، قبل أن تتحول أي شراكة خارجية، مهما كانت واعدة، إلى رافعة حقيقية لاقتصاد يبحث منذ سنوات عن طريق للخروج من عنق الزجاجة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى