
اعتدال احمد الهادي
بين رصاص أبريل 1985 ونيران حرب الخرطوم يمتد جسر طويل من الصمود تخوضه امرأة بأعصاب من فولاذ وقلب من نور حنان بلة او كما يحلو مناداتها بين زملائها “حنان انتفاضة” المرأة الحديدية والصحفية التي لم تساوم يوما على حبها للوطن.
ففي أبريل من العام 1985 كانت حنان بلة فتاة في التاسعة عشرة من عمرها يتيمة الأبوين تحمل من الحلم ما تحمله كل شابة تؤمن بوطن يستحق الحياة خرجت مع الجماهير في انتفاضة أبريل ضد نظام الرئيس الأسبق جعفر نميري فأصابتها رصاصة في الرأس كادت أن تنهي حياتها لكن لطف الله سبق كل شيء، فنجت وإن دفعت ثمنا باهظا فقدت بصرها لفترة قبل أن تستعيده بعد رحلة علاج بالأردن.
ومنذ ذلك اليوم لم يعد لقب “حنان انتفاضة” مجرد اسم بل أصبح عنوانا لمسيرة طويلة من الصمود والإيمان بالكلمة عادت إلى الحياة وعادت معها إلى الصحافة لتصبح واحدة من الأقلام المعروفة في الوسط الصحفي تكتب حينا بصخب يوقظ الضمائر وحينا تصمت في وقار، تاركة للمواقف أن تتحدث عنها.
ولعل ما يميز حنان لم يكن وليد الظروف وحدها فقد نشأت من بيت صوفي عُرف بالقيم السودانية الاصيلة والأخلاق والتواضع فجدها الشيخ أحمد حسين أحد تلاميذ الشيخ حمد النيل أحد اعلام أم درمان ورموزها الروحية وفي ذلك المناخ المفعم بالمحبة والتسامح والكرم السوداني الأصيل تشكلت شخصية حنان فجمعت بين قوة الموقف و رقة القلب وبين الصلابة في مواجهة المحن والتواضع الذي عرفه عنها كل من يقترب منها فكانت مؤمنة بأن الإنسان يقاس بما يقدمه للناس لا بما يملكه.
عرفت حنان عن قرب وكانت أول مرة ألتقيها ضمن مبادرة “العيد معاكم” قمنا بها انا الزميلة أمينة الفضل لزيارة عدد من الصحفيات وإن لم تخني الذاكرة شملت الزيارات أيضا الصحفية والأستاذة العظيمة بخيتة أمين، والأستاذة حنان بدوي التي كان المرض قد أقعدها عن العمل آنذاك، والأستاذة زينب السعيد، وكانت حنان واحدة من بينهن. ومنذ ذلك اليوم توطدت علاقتي بها فلم تعد مجرد زميلة في المهنة بل أصبحت أختا وصديقة تناديني دائما: “إنتِ بتي”، فأرد عليها مازحة: “بل أختي الكبرى.” ومن يعرف حنان يدرك أنها من أول لقاء تفتح لك قلبها قبل أن تفتح لك بابها؛ إنسانة ودودة، بسيطة، نقية، محبة للناس، لا تفارق الابتسامة وجهها مهما اشتدت عليها المحن.
جاءت الحرب لتضيف فصلا جديدا من الألم فبقيت حنان في الخرطوم حتى اللحظات قبل الأخيرة، تتحمل قسوة الحرب وما خلفته من معاناة تتنقل من هنا وهناك بحثا عن مكان آمن حيث لم يعد بيتها في حي العرب آمن فتغادر مكرهة إلى عطبرة بسبب المرض لكن الحنين إلى أم درمان كان أقوى من الغياب فعادت إليها كما يعود القلب إلى موطنه مهما ابتعد.
اليوم تخوض حنان معركة أخرى لا تقل قسوة عن معارك الأمس المرض أنهك جسدها النحيل وتكاليف العلاج أصبحت أكبر من قدرتها شأنها شأن كثير من الصحفيين الذين أفنوا أعمارهم في مهنة المتاعب، تلك المهنة التي تمنح أصحابها التعب أكثر مما تمنحهم الأمان خاصة في السودان لا يمنح الصحفي ما يستحق من التقدير. ولعمري، قلما تجد مهنة يبذل فيها هذا القدر من التضحيات ثم يترك أصحابها يواجهون المرض والفاقة والوحدة كما يحدث عندنا فالصحفي السوداني يمرض و لا يجد من يسأل عنه و يعتقل أو يحاكم أو يسجن وربما يدفع ثمن الكلمة من صحته وأسرته ومستقبله، بينما تغيب المؤسسات التي يفترض أن تكون سندا له. وحين تضيق به الدنيا، لا يجد في كثير من الأحيان إلا نفرا قليل من زملائه وأهل المهنة، أولئك الذين يحملون هم بعضهم بعضا، ويثبتون أن الوفاء لا يزال حيا رغم قسوة الواقع.
ولعل مبادرة الزملاء لعلاج حنان بلة خير دليل على أن أجمل ما في هذه المهنة ليس مؤسساتها بل أهلها أولئك الذين لا يتركون زميلا في محنته ويؤمنون بأن الصحفي مهما اشتدت عليه الظروف يستحق أن يجد من يقف إلى جواره فبفضل مبادرة الزملاء عابد سيد احمد والامير جمال عنقرة الكريمة والاستجابة المقدرة من وزير الصحة الاتحادية تغادر حنان إلى القاهرة للعلاج نسأل الله أن يجعلها رحلة شفاء كامل وأن تعود إلى أهلها ومحبيها معافاة.
لكن تبقى الأسئلة التي لا ينبغي أن نتجاوزها: أين اتحاد الصحفيين من متابعة أوضاع أعضائه؟ اين الدولة من رعاياها أين وزارة الإعلام من صحفيين خدموا وطنهم بالكلمة ودفعوا من أعمارهم وصحتهم ثمنا لمواقفهم؟ وهل يظل الوفاء للصحفيين مرهونا بالمبادرات الفردية بينما تغيب المؤسسات التي يفترض أن تكون سندا لهم؟
حنان ليست الحالة الأولى في الوسط الصحفي ولن تكون الأخيرة إذا استمر هذا الغياب هناك كثيرون أنهكتهم السنين والمرض والحرب وهم في أمس الحاجة إلى من يسأل عنهم قبل أن يصبح السؤال عنهم نعيا لسنا نطالب لحنان بمعاملة استثنائية لأنها صحفية بل لأنها إنسانة قدمت لوطنها الكثير، وتحملت في سبيله ما لا يتحمله كثيرون ومن حقها وحق كل صحفي شريف أن يجد يدا تمتد إليه في محنته و وزير الاعلام يدرك تماما ما يعانيه الصحفيين لكن يبدو ان سنوات الهجرة انسته او تناسى تلك المعاناة.
شفاك الله يا حنون… وأعاد إليك عافيتك وأعاد إلى هذا الوطن شيئا من الوفاء لمن حملوا قضاياه على أكتافهم، وكتبوا عنه بالحبر حين عجز الآخرون عن الكلام.