عندما تُثقل الضريبة اقتصاداً منهكاً.. توسيع المظلة في غير أوانه

وليد دليل — خبير مصرفي
حين يتحدث مسؤول ضريبي عن نيته توسيع المظلة الضريبية وإدخال أكثر من ستين بالمائة من الاقتصاد غير الرسمي إلى دائرة التحصيل، فإن الأرقام التي يسوقها تبدو للوهلة الأولى منطقية، بل ومغرية لصانع القرار المالي الباحث عن أي مورد يسد به عجزاً متفاقماً في الموازنة العامة. غير أن القراءة المصرفية والاقتصادية لهذا التوجه تكشف عن مفارقة خطيرة: فالتوقيت الذي يُطرح فيه هذا التوسع هو بالضبط التوقيت الذي يفتقر فيه الاقتصاد السوداني إلى الحد الأدنى من البنية المؤسسية القادرة على استيعابه دون أن يتحول إلى عبء إضافي يعمّق الانكماش بدل أن يعالجه.
فالمنظومة المصرفية، التي يُفترض أن تكون الشريان الناقل لأي تحصيل ضريبي حديث، لا تزال تعاني من شلل بنيوي متراكم منذ اندلاع الحرب؛ فالمحول الوطني للمدفوعات متوقف منذ سنوات، وأرصدة المحافظ الإلكترونية مجمدة لدى ملايين المستخدمين، وشركات الوساطة المالية الرقمية بين مرخّصة تُسحب رخصتها وأخرى مغلقة بقرارات إدارية متعاقبة. في ظل هذا الواقع، فإن مطالبة نشاط اقتصادي غير رسمي بالانضمام إلى منظومة ضريبية تفترض وجود قنوات مصرفية سليمة للفوترة والتحصيل والمراجعة هو طلب يسبق توفر أدواته، وهذا بالضبط ما يجعل التوسع أقرب إلى فرض التزامات على قطاع لا تملك الدولة بعد الوسائل التقنية لضبطه أو حتى لتحصيل مستحقاته بكفاءة، فتتحول المبادرة من إصلاح هيكلي إلى عبء إجرائي إضافي على تجار ومنتجين أنهكتهم الحرب أصلاً.
ومن زاوية السيولة، فإن النشاط غير الرسمي الذي يستهدفه الديوان لم يهرب من الضريبة بدافع التهرب المتعمد وحده، بل لأن غالبيته تحوّل إلى هذا الوضع اضطراراً بعد أن فقد رأس ماله المصرفي، ونزح صاحبه من مدينته، وأعاد بناء نشاطه من الصفر بموارد شخصية محدودة خارج أي غطاء مؤسسي. وهذه الشريحة تحديداً هي الأكثر هشاشة أمام أي عبء إضافي، ذلك أن معظمها يعمل برأس مال دوّار ضيق لا يحتمل تجميد جزء منه لصالح التزامات ضريبية جديدة، كما أن غياب الائتمان المصرفي عنها – في ظل شلل الإقراض الذي تعانيه البنوك العاملة – يعني أنها لا تملك خط دفاع تلجأ إليه عند الضغط، فتكون النتيجة المرجحة إما مزيداً من الانكماش في نشاطها أو مزيداً من التوغل في اقتصاد الظل بدل الخروج منه، وهو عكس الهدف المعلن تماماً.
وثمة بُعد آخر يغيب غالباً عن الخطاب الرسمي، وهو أثر التوسع الضريبي على سعر الصرف واستقرار السوق الموازية؛ فحين تُفرض التزامات جديدة على تجار يعتمدون على العملة الأجنبية في تمويل دورتهم التجارية، وسط غياب مصرفي شبه تام لتمويل التجارة الخارجية بالقنوات الرسمية، فإن الاستجابة الطبيعية لرأس المال ستكون البحث عن مزيد من الحماية خارج الجهاز المصرفي الرسمي، بما يرفع الضغط على السوق الموازية بدل أن يخفف عنها، ويؤدي عملياً إلى نتيجة معاكسة لما تسعى إليه سياسة توسيع القاعدة الضريبية من ضبط وشفافية.
أضف إلى ذلك أن أي تحصيل ضريبي يفترض بالضرورة قدرة الدولة على تقديم ما يقابله من خدمات وضمانات مؤسسية تعزز ثقة الممول، بينما لا تزال مناطق واسعة من البلاد تعمل بلا بنية تحتية مصرفية فاعلة، ولا اتصال موثوق بالمقاصة الإلكترونية، ولا حتى قدرة على إصدار فواتير رسمية معتمدة في كثير من الولايات. وحين تُطالب الدولة مكلفاً بالانضمام إلى منظومة لا يرى في مقابلها خدمة ملموسة، فإن العلاقة بين الطرفين تفقد أساسها الطوعي، وتتحول الضريبة في وعيه إلى اقتطاع بلا عائد، وهو ما يقوّض بالضبط الهدف الذي يسعى إليه الديوان من ترسيخ الالتزام الطوعي.
القراءة المصرفية لهذا الملف هي أن توسيع المظلة الضريبية ليس خطأً في المبدأ، بل في التسلسل الزمني لتنفيذه؛ فالأولوية المنطقية كانت ولا تزال إعادة بناء البنية المصرفية والتقنية القادرة على استيعاب هذا التوسع، من إحياء المحول الوطني للمدفوعات، إلى تحرير أرصدة المحافظ الإلكترونية المجمدة، إلى إعادة تفعيل الائتمان المصرفي للقطاعات الإنتاجية، قبل أن تُطالَب شريحة واسعة من الاقتصاد غير الرسمي بالانضمام إلى منظومة لم تكتمل أدواتها بعد. فالإصلاح الضريبي الناجح لا يُقاس بحجم الشريحة التي يستهدفها، بل بقدرة الدولة على استيعابها دون أن تدفعها إلى مزيد من الانكماش أو الهروب، وهذا بالضبط ما يستدعي من صانع القرار المالي إعادة ترتيب الأولويات قبل أن تتحول مبادرة توسيع المظلة إلى عبءٍ يُضاف إلى أعباء اقتصاد يقاتل أصلاً من أجل التعافي.