تحليل ورأي

تدابير حكومة كامل ادريس الاقتصاديه لمواجهه حرب الخليج

وليد دليل خبير مصرفي

وليد دليل
خبير مصرفي
تشهد الأوضاع في السودان تداعيات مباشرة ومعقدة نتيجة التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران (لا سيما منذ فبراير 2026)، حيث تحول السودان إلى “ساحة خلفية” للصراع الإقليمي نظراً لموقعه الاستراتيجي وعلاقات أطراف النزاع الداخلي بالقوى الخارجية.

تتلخص أهم هذه التداعيات في المحاور التالية:
1. تحول السودان إلى ساحة صراع بالوكالة
دعم الأطراف المتحاربة: زاد التدخل الإيراني عبر دعم القوات المسلحة السودانية بالطائرات المسيرة والخبرات العسكرية، بينما تُتهم أطراف إقليمية أخرى بدعم قوات الدعم السريع، مما أدى إلى تعقيد الحرب الأهلية وإطالة أمدها.
استهداف التيارات الإسلامية: صنفت الولايات المتحدة مجموعات سودانية (مثل “الحركة الإسلامية”) ككيانات إرهابية، متهمة إياها بتلقي دعم من الحرس الثوري الإيراني، مما زاد من الضغوط الدولية على الجيش السوداني لفك ارتباطه بهذه المجموعات.
2. التداعيات الأمنية في البحر الأحمر
عسكرة الساحل: مع تهديد إيران بإغلاق مضيق هرمز، زادت الأهمية الاستراتيجية لساحل السودان ومدينة بورتسودان كممر بديل للطاقة، مما جعلها هدفاً للتنافس الدولي والحشود العسكرية.
تهديد الملاحة: أدت هجمات “محور المقاومة” (بما في ذلك الحوثيين) في البحر الأحمر إلى اضطراب سلاسل الإمداد الواصلة للسودان، مما أخر وصول المساعدات الإنسانية والسلع الأساسية.
3. الآثار الاقتصادية والمعيشية
ارتفاع تكلفة الواردات: أدى الصراع إلى قفزة في أسعار النفط العالمية، مما زاد من فاتورة استيراد الوقود في السودان وفاقم من معدلات التضخم وانهيار القيمة الشرائية للجنيه.
تعطيل المساعدات: تسببت “شظايا الحرب” في محاصرة طرق الإمداد، مما عمق أسوأ أزمة إنسانية في العالم حالياً، مع نقص حاد في الغذاء ومياه الشرب لملايين النازحين.
4. الضغوط الدبلوماسية
تضييق الخيارات: يواجه السودان ضغوطاً أمريكية شديدة للابتعاد عن المحور الإيراني مقابل الحصول على دعم دولي أو رفع عقوبات، وهو ما يضع الحكومة السودانية في موقف حرج بين حاجتها للدعم العسكري الإيراني ورغبتها في الاعتراف الدولي.

اتخذت حكومة “الأمل” السودانية برئاسة الدكتور كامل إدريس، منذ تكليفها في عام 2025، سلسلة من التدابير الاقتصادية لمواجهة التداعيات الناجمة عن استمرار الحرب في السودان وتأثيراتها الإقليمية (التي قد يُشار إليها أحياناً بـ “حرب الألف يوم” أو امتداداتها الجيوسياسية في المنطقة).
تركزت هذه التدابير بشكل أساسي على كبح التدهور الاقتصادي وتأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين عبر النقاط التالية:
1. مكافحة انهيار العملة (سعر الصرف)
أصدرت لجنة الطوارئ الاقتصادية برئاسة كامل إدريس 10 قرارات عاجلة تهدف إلى:
كبح تراجع الجنيه السوداني أمام الدولار والعملات الأجنبية.
وضع ضوابط صارمة للسياسات النقدية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي المنشود
2. تأمين السلع الضرورية و”معاش الناس”
عقدت اللجنة الاقتصادية العليا اجتماعات في مدينة بورتسودان (المقر المؤقت للحكومة) ركزت على:
تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين المتأثرين بالنزاع.
ضمان تدفق وتوفير السلع الاستهلاكية الأساسية في الأسواق.
وضع معايير وضوابط لضمان نجاح السياسات الاقتصادية في ظل ظروف الحرب
3. مبادرات الاستقرار والسلام (الاقتصاد السياسي)
طرحت الحكومة مبادرة وطنية للسلام أمام مجلس الأمن الدولي كجزء من رؤية اقتصادية-سياسية شاملة، تهدف إلى:
إنهاء الحرب باعتبارها العائق الأكبر أمام أي تنمية اقتصادية.
التحول إلى واجهة مدنية في التواصل مع المجتمع الدولي ومؤسساته المالية (مثل صندوق النقد الدولي) لتسهيل الحصول على دعم وإعفاءات من الديون.
الحد من التنافس على الموارد الحيوية (مثل الذهب والنفط) التي كانت وقوداً للصراعات الداخلية.

4. التعامل مع التحديات الإقليمية
في ظل المواجهات الدبلوماسية والاقتصادية مع بعض دول المنطقة، برزت نقاشات داخل الحكومة حول:
إمكانية مراجعة العلاقات الاقتصادية مع دول متهمة بدعم أطراف الصراع (مثل الإمارات) لاتخاذ مواقف أكثر حزماً لحماية الأمن القومي.
مواجهة الغلاء الناتج عن التدفقات الكبيرة للمواطنين العائدين إلى العاصمة والمدن المستقرة، مما يتطلب تنسيقاً بين الحكومة الاتحادية والولايات.
استناداً إلى الرؤى السياسية والاقتصادية المطروحة مؤخراً (مارس 2026)، يتطلب خروج السودان من تداعيات الصراع الإيراني الأمريكي تبني استراتيجية “الحياد النشط” والموازنة بين الضرورات العسكرية والمصالح الدولية.
تتلخص أهم الخطوات المقترحة في المسارات التالية:
1. المسار الدبلوماسي (سياسة الحياد)
فك الارتباط الأيديولوجي: ضرورة ابتعاد الحكومة السودانية عن المحاور الأيديولوجية المتصارعة (محور المقاومة الإيراني مقابل التحالف الأمريكي)، والتأكيد على أن التعاون العسكري مع أي طرف هو “تعاون فني” مؤقت تفرضه ظروف الحرب الداخلية وليس تحالفاً استراتيجياً ضد طرف ثالث.
استعادة الواجهة المدنية: تعزيز دور “حكومة التكنوقراط” (مثل حكومة كامل إدريس المقترحة) للتواصل مع المجتمع الدولي، مما يقلل من حدة التصنيف الأمريكي للسودان كحليف لإيران ويفتح الباب لرفع العقوبات المالية.
2. المسار الأمني (تأمين البحر الأحمر)
المبادرة الإقليمية للملاحة: طرح السودان لمبادرة مع دول حوض البحر الأحمر (مثل السعودية ومصر) لتأمين الممرات المائية بعيداً عن التدخلات الإيرانية أو القواعد العسكرية الأجنبية الدائمة، مما يطمئن القوى الدولية ويحمي الموانئ السودانية من الاستهداف.
الرقابة على السلاح: وضع ضوابط شفافة لاستيراد السلاح لضمان عدم استخدامه في صراعات إقليمية خارج الحدود السودانية، لتجنب وضعه تحت طائلة “قانون قيصر” أو العقوبات الأمريكية المشابهة.
3. المسار الاقتصادي (تخفيف الصدمات)
تنويع مصادر الطاقة: لتقليل الاعتماد على تقلبات أسعار النفط الناتجة عن توترات مضيق هرمز، يجب التوجه نحو مشاريع الطاقة المتجددة وتعزيز الإنتاج المحلي في المناطق المستقرة.
الاعتماد على الذات في الغذاء: تفعيل “اقتصاد الحرب” الذي يركز على الاكتفاء الذاتي الزراعي لتقليل التأثر بتعطل سلاسل الإمداد العالمية الناتجة عن الصراع البحري.
4. الوساطة الإقليمية
استغلال علاقة السودان الجيدة ببعض القوى الإقليمية (مثل قطر أو سلطنة عمان) للعب دور “ناقل الرسائل” أو التهدئة، مما يمنحه حصانة دبلوماسية ويجعله جزءاً من الحل لا جزءاً من الصراع.
الخلاصة: نجاة السودان تعتمد على قدرته على إقناع واشنطن بأن استقرار السودان يخدم أمن البحر الأحمر أكثر من إضعافه، مع طمأنة طهران بأن السودان لن يكون منطلقاً لأي أعمال عدائية ضدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى