من أديس أبابا إلى مجلس الأمن.. هل يصنع مستقبل السودان خارج إرادة شعبه؟
تقرير: اعتدال احمد الهادي




في وقت تتواصل فيه الحرب السودانية بكل تعقيداتها العسكرية والإنسانية والسياسية تتسارع في المقابل تحركات إقليمية و دولية تهدف لإطلاق مسار سياسي جديد تقوده ما تعرف بالآلية الخماسية وسط انقسام واسع داخل الساحة السودانية بين من يعتبرها مدخلا لإعادة تشكيل المشهد السياسي السوداني تحت ضغوط ورعاية خارجية ومن يراها محاولة لتحريك عملية السلام ووقف الحرب.
وتأتي اجتماعات أديس أبابا المرتقبة مطلع يونيو ضمن سلسلة تحركات سياسية تمتد حتى سبتمبر المقبل في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول طبيعة هذه العملية وحدود الدور الدولي فيها وما إذا كانت تمثل بالفعل حوارا سوداني ـ سوداني يعكس الإرادة الوطنية أم مسار دولي يسعى لإنتاج تسوية جديدة وفق موازين القوى الإقليمية والدولية.
وتضم الآلية الخماسية كل من الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد” والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي وتقول إنها تسعى لتوحيد المبادرات الدولية والإقليمية الخاصة بالسودان والدفع نحو حل سياسي شامل يوقف الحرب ويقود إلى عملية انتقال سياسي.
ويزداد الجدل مع تصاعد المخاوف من تجاوز مؤسسات الدولة السودانية وإعادة دمج قوى متهمة بالضلوع في الحرب والانتهاكات داخل العملية السياسية بالتزامن مع استمرار المعارك وتفاقم الأزمة الإنسانية والانهيار الاقتصادي.
لكن وفي مقابل هذه المخاوف يطرح آخرون تساؤلات مختلفة تتعلق بجدوى أي حوار سياسي يعقد قبل حسم الملفات الأمنية والعسكرية في بلد شهد منذ الاستقلال عشرات المبادرات والمؤتمرات التي فشلت جميعها في إنهاء أزماته المتكررة.
ويرى الصحفي والمحلل السياسي يوسف حمدالنيل أن السودان شهد منذ الاستقلال ما يقارب أربعة وثلاثين مؤتمرا ومبادرة للحوار الوطني عجزت جميعها عن وضع حلول حقيقية لأزمة السودان التي استعصت على المدنيين والعسكريين معا.
ويشير إلى أن الظروف التي تعقد فيها مثل هذه المؤتمرات غالبا ما تأتي عقب ضغوطات خارجية تمارس على القيادة العليا للبلاد بعد أزمات داخلية وحروب معتبرا أن المؤتمرات تتحول في كثير من الأحيان إلى مخرج لكسب الداخل ومحاباة الخارج في الوقت نفسه.
ويضيف أن البصمة الخارجية تكاد تكون حاضرة دائما داخل أي مؤتمر سواء عبر أجندة مسبقة أو عبر أطراف تحمل رؤى مرتبطة بالتأثير الخارجي.
وبين من يعتبر ما يجري محاولة لفرض تسوية خارجية ومن يراه ضرورة سياسية لوقف الحرب مهما كانت التعقيدات يبقى السؤال الأبرز داخل المشهد السوداني:
هل تقود هذه التحركات إلى تسوية وطنية تحفظ الدولة السودانية وسيادتها أم إلى إعادة إنتاج الأزمة بصورة جديدة تحت مظلة التسوية الدولية؟
إبراهيم الصديق: الآلية الخماسية تتجاهل معاناة السودانيين وتسعى لإعادة دمج آل دقلو سياسيا
يرى الخبير الإعلامي إبراهيم الصديق علي أن الآلية الخماسية تركز فقط على العملية السياسية دون دراسة تأثير ذلك على المواطنين السودانيين والمجتمع السوداني معتبرا أن المسار الحالي يتجاهل حجم الانتهاكات والدمار الذي خلفته الحرب في السودان.
وقال إن اختيار إثيوبيا مقرا لاجتماعات الآلية الخماسية يمثل تنكرا كاملا لقضايا ضحايا انتهاكات مليشيا الدعم السريع واضاف أن إثيوبيا شريكة في العدوان على السودان وتدمير البنية الأساسية والمرافق الاستراتيجية.
وأشار الصديق إلى أن مسيرات انطلقت من إثيوبيا يوم السبت 23 مايو واستهدفت سد الدمازين معتبرا أن ذلك يمثل تدميرا ممنهجا لمؤسسات الخدمة المدنية والبنية التحتية.
وأضاف أن الآلية الخماسية لا تهتم بهذه القضايا بقدر اهتمامها بالمسارات السياسية موضحا أن هناك ـ بحسب توجها واضحا لإدماج آل دقلو داخل المشهد السياسي.
وكشف إبراهيم الصديق عن معلومات قال إنها مؤكدة بشأن اجتماعات تجمع مجموعة عبد الله حمدوك ومجموعة عبد الواحد محمد نور وأطرافا أخرى مع مجموعة آل دقلو موضحا أن هذه اللقاءات تأتي في إطار محاولة لجسر المسافة بين هذه المجموعات.
وأضاف أن بعض مكونات “صمود” انضمت فعليا إلى مجموعة آل دقلو مشيراً إلى المجموعة التي يقودها عصمت والمجموعة التي يقودها سليمان صندل كما أشار إلى أن حزب الأمة القومي يشارك في اجتماعات آل دقلو باعتباره أكبر كتلة مشاركة في صمود وأكبر كتلة مشاركة في التمرد.
ويرى إبراهيم أن الهدف من هذه التحركات هو إعادة هذه المجموعات إلى السلطة والمشهد السياسي بأي شكل من الأشكال رغم كل الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت بحق الشعب السوداني.
وانتقد إبراهيم الصديق طبيعة الوساطة المطروحة حاليا قائلا إن مجموعة آل دقلو ليست جماعة سياسية وإنما جماعة عسكرية متمردة خرجت على السلطة الشرعية وتحولت إلى جماعة حرابة وبغي على الدولة.
وأضاف أن الكثير من الدول تتعامل مع الجماعات المتمردة عبر معالجات تهدف لإخماد التمرد وليس عبر منحها وضعا سياسيا موازيا للدولة.
وقال إن هؤلاء ليسوا وسطاء ولا يمكن أن يكونوا كذلك موضحا أن أي وساطة حقيقية يجب أن تتم مع الحكومة السودانية وبإذنها لأن المواثيق الدولية والأمم المتحدة كلها تنص على ضرورة وجود الطرفين وعلى الاعتراف بالطرف الشرعي الأساسي.
واعتبر تجاوز الحكومة السودانية في هذه الاجتماعات يعني عمليا عدم الاعتراف بها والاعتراف بالطرف الآخر بما يفتح الباب أمام خلق حالة من الفوضى والوصاية والاستعمار الجديد على السودان.
كما رأى ابراهيم أن القوى السياسية السودانية أصبحت (مهمشة) مشيرا إلى أن الآلية الخماسية والاتحاد الأفريقي كانا قد اتفقا مع الكتلة الديمقراطية على أن يكون الحوار سوداني ـ سوداني داخل السودان وكانت المفاجأة تحويله إلى مسار آخر بأجندة مختلفة وفي مقر مختلف.
وأضاف أن الرسالة الأبعد من اختيار إثيوبيا تتعلق بكونها دولة معادية للسودان قائلا إن العدوان انطلق منها بالأمس وليس قبل سنوات وفي ذات اللحظة التي يعقد فيها الحوار تنطلق منها مسيرات وصواريخ وقصف مدفعي تجاه السودان.
وتساءل: كيف يمكن لدولة بهذا الوضع أن تكون مكانا صالحا للوساطة؟.
كما اعتبر أن تجربة مؤتمر برلين جعلت القوى الغربية تخشى من الهبة الشعبية والرأي العام السوداني مضيفا أنها أصبحت تهرب إلى عواصم مثل إثيوبيا وكينيا حيث يتم تقييد التجمعات ومنع حرية الرأي والتعبير وهو ما يمثل تكميما للأفواه وتخوفا من الرأي الشعبي العام.
ويرى إبراهيم الصديق أن المسار الحالي بدأ تحت عناوين إنسانية تتعلق بالإغاثة وحقوق الإنسان وفتح المعابر لكنه تحول تدريجيا إلى مشروع سياسي كامل يربط التمرد المسلح بالعملية السياسية وقال إن بعض القوى السياسية ربطت إرادتها بالبندقية مضيفا أنه عندما فشلت البندقية عسكريا بدأت محاولة فرضها سياسيا عبر الاتفاقات الدولية.
وواردف ابراهيم متسائلا: هل يمكن لأربعين شخصا فقط أن يمثلوا الإرادة السودانية؟ في إشارة الى ان اجتماعات الآلية الخماسية تضم أربعين شخصا فقط و عتبر أن ما يجري يمثل إضعافا كاملا للقرار الوطني والسيادة السودانية.
وختم بالقول إن الحكومة السودانية مطالبة بالتعامل مع هذه القضية بجدية كاملة وبخطوات واضحة لحماية السيادة الوطنية ومنع فرض أي وصاية خارجية على السودان.
بشارة جمعة أرو: الاجتماعات تطرح تساؤلات حول استقلال القرار الوطني وحدود التأثير الدولي
من جانبه يرى الخبير السياسي بشارة جمعة أرو أن اجتماعات أديس أبابا تشير إلى مسعى سياسي ذي أبعاد دولية معقدة يهدف إلى بناء إطار للحوار السوداني والتسوية السياسية بمشاركة قوى سياسية ومدنية متعددة غير أنه يؤكد في الوقت نفسه أن طبيعة العملية نفسها تثير العديد من الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالسيادة الوطنية وحدود التأثير الخارجي.
وقال أرو إن طبيعة التمويل والرعاية الخارجية ومكان انعقاد الاجتماعات تثير تساؤلات مشروعة حول استقلالية العملية وحدود التأثير الدولي فيها مشيرا إلى أن القضية لا تتعلق فقط بمبدأ الحوار وإنما كذلك بالبيئة التي يدار بها الحوار والجهات التي تتحكم في مساراته ومخرجاته.
وأضاف أن توسيع دائرة المشاركين رغم ما يبدو فيه من انفتاح يثير أيضا قضية التمثيل الحقيقي ومعايير الاختيار خاصة في ظل محدودية عدد المشاركين مقارنة بتعقيدات وتنوع المشهد السوداني سياسيا واجتماعيا وأمنيا.
وأوضح أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه يتمثل في:
هل تمثل هذه العملية حوارا سودانيا تقوده الإرادة الوطنية أم أنها مسار تسوية دولية يسعى لاكتساب شرعية عبر مشاركة سودانية؟.
ويرى بشارة أرو أن المنهج والمنهجية المعتمدة حاليا لا ينسجمان بصورة كاملة مع طبيعة الأزمة السودانية وتشابكاتها السياسية والاجتماعية والأمنية موضحا أن الواقع السوداني مركب ومتعدد بصورة تجعل من الصعب مقاربته عبر صيغ محدودة التمثيل قد لا تعكس الوزن الحقيقي للقوى الوطنية والاجتماعية والسياسية الفاعلة.
وأضاف أن مثل هذه الصيغ قد لا تضمن إنتاج معالجة متوازنة ومستدامة للأزمة السودانية خاصة إذا غابت عنها المشاركة الواسعة والتوافق الحقيقي بين مختلف مكونات المجتمع والقوى السياسية.
وفي قراءته للمشهد العام يرى أرو أن استنزاف الحرب المستمر يجعل فكرة التسوية السياسية أقرب إلى مسار يصعب تجاوزه وربما إلى ضرورة تفرضها الوقائع أكثر من كونها خيارا قابلا للتأجيل لكنه شدد في الوقت نفسه على أن طبيعة هذه التسوية ومضمونها هما ما سيحددان نتائجها الحقيقية.
وقال إن الأمر يرتبط بزاوية النظر ومآلات العملية السياسية نفسها موضحا أنه إذا اتجهت العملية نحو وقف الحرب وصناعة توافق وطني واسع بين الأطراف السودانية فيمكن النظر إليها باعتبارها مسارا لتسوية سياسية حقيقية.
لكنه حذر في المقابل من أن العملية إذا تجاوزت ذلك إلى إعادة توزيع موازين القوى وإنتاج تحالفات جديدة وإعادة تعريف معايير الشرعية والتمثيل فإنها قد تقرأ باعتبارها إعادة هندسة للمشهد السياسي تحت لافتة التسوية.
وأشار إلى أن التجارب السياسية المعقدة كثيرا ما تشهد تداخلا بين المسارين موضحا أن العديد من العمليات السياسية تبدأ كآليات لإنهاء النزاعات لكنها تنتهي عمليا إلى إنتاج معادلات سياسية جديدة وإعادة تشكيل موازين القوى.
كما تناول أرو دور الأمم المتحدة في هذه العملية معتبرا أن تبني المنظمة الدولية لمثل هذا المسار يمنحه وزنا وغطاء دوليا أوسع ويعزز فرص الدعم السياسي والفني والدبلوماسي كما يرفع منسوب الضغط على الأطراف المحلية للتعامل معه بقدر أكبر من الجدية.
إلا أنه أشار في المقابل إلى أن هذا التبني يفتح أيضا باب التساؤلات حول حدود استقلال القرار الوطني وحول دور الفاعلين الخارجيين في تشكيل ملامح المرحلة المقبلة.
وأضاف أن المسار الحالي قد يقود إلى إعادة ترتيب خريطة القوى السياسية بما يمنح أفضلية نسبية للقوى المنخرطة في العملية السياسية مقابل تراجع أو عزلة القوى الرافضة أو المستبعدة من هذا المسار.
وختم بشارة جمعة أرو حديثه بالتأكيد على أن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بوجود تسوية سياسية من عدمه وإنما بطبيعة هذه التسوية نفسها قائلا: هل ستكون تسوية سودانية جامعة تؤسس لاستقرار مستدام أم أنها ستتحول إلى مدخل لإعادة تشكيل المشهد السياسي وفق توازنات داخلية وخارجية جديدة؟.
عبدالباقي جبارة: لا مخرج للأزمة السودانية سوى التسوية السياسية الشاملة
يرى الصحفي عبدالباقي جبارة أن الآلية الخماسية الخاصة بالسودان والتي تضم الاتحاد الأفريقي والإيغاد والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي تهدف بصورة أساسية إلى تحريك مسار الحل السياسي للأزمة السودانية عبر اجتماعات مرتقبة بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا ووفقا لما أعلنته الجهات الراعية فإن أبرز أهداف هذه الاجتماعات يتمثل في إطلاق حوار سوداني ـ سوداني شامل يجمع القوى السياسية والمدنية والمجتمعية المختلفة للوصول إلى أرضية مشتركة تنهي حالة الانقسام السياسي التي تعيشها البلاد.
وأشار إلى أن الأيام الماضية شهدت تطورات مهمة، من بينها اجتماع برلين الذي ضم قوى مدنية مناهضة للحرب ولافتا إلى أن بعض القوى التي كانت تحسب على المعسكر الداعم لاستمرار الحرب مثل الكتلة الديمقراطية بدأت تقترب من مواقف القوى الرافضة للحرب وهو ما يعكس حدوث تقارب تدريجي بين مكونات المشهد السياسي السوداني.
وأوضح جبارة أن هذه الاجتماعات تأتي أيضاً في إطار دعم جهود وقف الحرب والتصعيد العسكري بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع عبر الدفع نحو وقف إطلاق النار وتقليل العنف وحماية المدنيين والبنية التحتية التي تعرضت لدمار واسع خلال سنوات الحرب وأكد أن الحرب استهدفت الإنسان السوداني بشكل مباشر من خلال القتل والتشريد كما عطلت الحياة العامة وألحقت أضرارا كبيرة بالبنية التحتية والخدمات الأساسية.
وأضاف أن الآلية الخماسية تسعى كذلك إلى الدفع نحو انتقال سياسي مدني باعتبار أن جذور الأزمة السودانية تعود في الأساس إلى خلافات سياسية وصراع على السلطة والثروة وبالتالي فإن أي تسوية حقيقية لا بد أن تقود إلى وضع أسس عملية لحكم مدني وتحقيق تسوية مستدامة للأزمة.
كما أشار إلى أهمية توسيع دائرة المشاركة في العملية السياسية من خلال إشراك القوى المدنية والنسوية والشبابية والمهنية خاصة القوى الحية المرتبطة بثورة ديسمبر مؤكدا أن توسيع المشاركة يعد أمرا طبيعيا وضروريا حتى تجد أي رؤية سياسية طريقها إلى التنفيذ ولإحداث تقارب بين مختلف المكونات السودانية بهدف التأثير على طرفي النزاع ودفعهما نحو وقف الحرب.
وتحدث عن ضرورة تنسيق الجهود الدولية والإقليمية المتعلقة بالسودان في ظل تعدد المبادرات التي ظهرت خلال الفترة الماضية مثل منبر جدة والآلية الرباعية ومؤتمر برلين ولقاءات دول الجوار وغيرها موضحا أن كثرة المبادرات وتضاربها أحيانا أضعفا فرص الوصول إلى نتائج عملية ولذلك تهدف الاجتماعات المقبلة إلى توحيد هذه الجهود حتى تكون أكثر فاعلية وقدرة على إيقاف الحرب.
وأكد جبارة أن المؤتمرات الدولية الخاصة بالسودان لا ينبغي أن تقتصر فقط على وقف الحرب بل يجب أن تتضمن برامج واضحة لمرحلة ما بعد النزاع تشمل الإغاثة وإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار حتى يتمكن النازحون واللاجئون من العودة إلى مناطقهم بصورة آمنة.
وفي المقابل أشار إلى وجود انتقادات من الحكومة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان تجاه هذه الآليات والمؤتمرات إذ ترى الحكومة أنها تقصى أحيانا من بعض الاجتماعات ولا تمنح فرصة المشاركة الكاملة كما حدث في مؤتمر برلين باعتبار أنها طرف أساسي وصاحب شأن مباشر في القضية السودانية.
ورغم ذلك أوضح جبارة أن قطاعات واسعة من السودانيين أصبحت تنظر إلى هذه المبادرات الدولية والإقليمية بشيء من الإحباط بسبب غياب النتائج الملموسة على أرض الواقع خاصة مع دخول الحرب عامها الرابع حيث يرى كثيرون أن الاجتماعات والتوصيات تفتقر إلى آليات تنفيذ حقيقية وإلى أدوات ضغط فعالة على طرفي النزاع لوقف الحرب بصورة فعلية.
كما شدد على أن اختيار إثيوبيا مقرا للاجتماعات لا يحمل أي رسائل سياسية موجهة ضد السودان أو أي طرف آخر موضحا أن أديس أبابا هي المقر الرسمي للاتحاد الأفريقي تماما وأن الخلافات أو الحساسيات السياسية بين بعض الدول وإثيوبيا لا علاقة لها بمكان انعقاد الاجتماعات إذ إن جميع الدول الأفريقية بما فيها الدول التي لديها خلافات مع إثيوبيا تشارك بصورة طبيعية في أنشطة الاتحاد الأفريقي باعتباره مؤسسة قارية متفقا عليها.
وختم جبارة حديثه بالتأكيد على أن الحرب بعد دخولها عامها الرابع جعلت كثيرا من الأطراف تصل إلى قناعة بأن الحسم العسكري أصبح أمرا مستحيلا وأن المعسكر الداعي إلى وقف الحرب والحل السياسي سيظل في حالة تمدد مستمر ويكسب مزيدا من المؤيدين مع مرور الوقت.
أزمة الحوار قبل أزمة التسوية
وفي مقابل الأصوات التي ترى في اجتماعات أديس أبابا محاولة لفرض تسوية خارجية وإعادة تشكيل المشهد السياسي السوداني يبرز رأي آخر لا يرفض مبدأ الحوار من حيث الأساس لكنه يطرح تساؤلات عميقة حول جدواه في ظل تعقيدات المشهد العسكري والسياسي الراهن.
ويرى الصحفي والمحلل السياسي يوسف حمدالنيل أن المشهد الحالي يختلف عن كل المراحل السابقة قائلا إن السودان اليوم محاصر بمبادرات خارجية متعددة من منبر جدة إلى التصريحات الأمريكية المتعلقة بالأزمة السودانية معتبرا أن كثيرا من هذه التحركات لا تتجاوز بيانات الرأي العام دون تأثير فعلي على الأرض.
كما يلفت إلى أن الأزمات الاقتصادية والإنسانية تتفاقم بصورة غير مسبوقة في مناطق مختلفة من البلاد ما يجعل أي عملية سياسية تواجه تحديات أكثر تعقيدا من السابق.
ويطرح حمدالنيل تساؤلا محوريا حول أسباب التسرع في إطلاق الحوار السياسي قبل استكمال الترتيبات الأمنية قائلا:
لماذا يسبق الحوار السوداني ـ السوداني الذي دعا إليه رئيس الوزراء كامل إدريس وسانده البرهان في خطاب عيد الأضحى، ملف الترتيبات الأمنية الذي يفترض أن يكون أولوية؟.
ويرى أن اتفاق جوبا للسلام كان يفترض أن يقود حركات الكفاح المسلح للتحول إلى قوى سياسية مدنية لكنه يتساءل:
كيف تدخل هذه الحركات الحوار وهي ترتدي عباءتين عباءة سياسية وأخرى عسكرية؟.
كما يثير تساؤلات تتعلق بطبيعة القوى التي سيسمح لها بالمشاركة في الحوار قائلا: هل يسمح للإسلاميين بالمشاركة أم أن التصنيفات الدولية وقرارات الحظر الأمريكية والمواقف الإقليمية ستبعدهم عن العملية السياسية؟.
ويرى أن الذهاب إلى فترة انتقالية محددة زمنيا تمتد لثلاث سنوات مثلا يتم خلالها تنفيذ برامج الدمج والتسريح لحركات الكفاح المسلح كان يمكن أن يكون أكثر جدوى من حوار سياسي يعقد بينما السلاح ما يزال حاضرا بقوة.
ويحذر يوسف من أن أي حوار يجرى دون إيقاف الحرب وإنهاء التمدد العسكري للحركات المسلحة لن ينتج تسوية حقيقية مضيفا أن الحوار في هذه الحالة قد يولد مجهول الملامح ضعيف النتائج وغير قادر على معالجة أزمات السودان داخليا وإقليميا ودوليا.
بين التسوية والسيادة
وبين من يرى في اجتماعات أديس أبابا فرصة لتحريك عملية السلام وإنهاء الحرب ومن يعتبرها محاولة لإعادة إنتاج المشهد السياسي تحت ضغوط دولية وخارجية يبقى الجدل السوداني مفتوحا حول طبيعة الحل السياسي وحدود الدور الدولي في رسم مستقبل البلاد وفي ظل استمرار الحرب واستنزاف الدولة والمجتمع يبدو السودان أمام مرحلة سياسية بالغة الحساسية تتقاطع فيها رهانات الداخل مع حسابات الإقليم والمجتمع الدولي بينما يبقى السؤال الأكثر حضورا هل تقود هذه التحركات إلى تسوية وطنية تحفظ الدولة السودانية وسيادتها أم إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي تحت مظلة الضغوط الدولية؟