تقارير وتحقيقات

الصحافة في مرمى الحرب…

حين يصبح نقل الحقيقة مخاطرة بالحياة

 

 

تقرير : اعتدال احمد الهادي

 

في بلد عرفت فيه الصحافة بأنها “مهنة المتاعب” لم تعد المتاعب وحدها هي التحدي، بل تحولت المهنة نفسها إلى ساحة استهداف مباشر، منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023. واقع قاتم تتقاطع فيه الشهادات المهنية مع التقارير الحقوقية لتكشف صورة أكثر تعقيدا وخطورة مما تعكسه الأرقام وحدها.

جوهر ممارسة

يقول الخبير الإعلامي الدكتور إبراهيم صديق إن الحرب “ضربت البيئة الصحفية في “مقتل” حيث امتد تأثيرها إلى جوهر الممارسة الصحفية ما أدى إلى تراجع القدرة على التحقق من المعلومات في ظل ضعف المصادر وانقطاع خدمات الاتصال، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على أداء الصحفيين. كما طالت الانتهاكات العاملين في المجال حيث سقط أكثر من 25 صحفيًا، إلى جانب حالات اعتقال واحتجاز تعسفي وتهديدات وملاحقات داخل المنازل وأماكن العمل.

ويضيف أن كثيرا من الصحفيين وجدوا أنفسهم أمام بيئة رقمية لم يتلقوا تدريبًا كافيا للتعامل معها، ما أدى إلى تفاوت في جودة المحتوى وأساليب الكتابة ومعايير النشر خاصة مع غياب المؤسسات التي كانت تضبط الأداء المهني.

وفي السياق ذاته يرى صديق أن صعود المنصات الرقمية أتاح فرصا جديدة لكنه فتح في المقابل المجال أمام انتشار محتوى غير مهني، حيث باتت بعض القضايا السطحية أو الانصرافية تحظى بانتشار أكبر من الأخبار الدقيقة، ما شكل تحديا إضافيا أمام الصحفيين.

شلل وغياب معلوم

كما يشير إلى أن التوقف شبه الكامل للحياة في الخرطوم وعدد من المناطق أدى إلى شلل المؤسسات الإعلامية ويؤكد أن غياب المعلومات وتقييد الوصول إليها شكل أحد أخطر التحديات باعتباره ركنا أساسيا من أركان حرية الصحافة موضحا أن المعلومة نفسها أصبحت غائبة أو مشوشة في ظل انعدام المنابر المهنية القادرة على التحقق.

ورغم ذلك، يلفت صديق إلى أن الصحفيين حاولوا التكيّف مع واقع الحرب عبر توظيف الإمكانيات المحدودة وخلق منصات بديلة، ما أدى إلى بروز “نجوم جدد” في فضاء الصحافة الرقمية إلا أن هذه المساحة لم تكن محصّنة، حيث طغت الفوضى المعلوماتية  وصعدت أصوات غير مهنية ما أضعف المعايير وأربك المشهد الإعلامي كما برزت ظاهرة “الصحفي الفرد” في ظل غياب المؤسسات وهو ما أسهم في تراجع الضبط التحريري وفتح الباب أمام الأخطاء، وأحيانا التوظيف السياسي للمحتوى.

و حذر صديق من أن بعض المنصات أصبحت تُدار لخدمة أجندات معينة مع وجود ما يشبه “غرف إدارة” تعمل على توجيه النقاش العام وطرح قضايا انصرافية في لحظات مفصلية بما يؤثر على أولويات الرأي العام.

في المقابل  تتزايد الدعوات لفتح نقاشات مهنية وتطوير القدرات وإصلاح الأطر القانونية المنظمة للعمل الصحفي، بما يواكب التحولات المتسارعة التي فرضتها

الحرب.

واقع أكثر قتامة

و يرسم رئيس تحرير موقع ترياق نيوز الصحفي عبدالباقي جبارة صورة أكثر قتامة، مستنداً إلى تقارير دولية تشير إلى تراجع السودان في مؤشر حرية الصحافة من المرتبة 156 إلى 163، مؤكدا أن الواقع أسوأ بكثير من هذا التصنيف ويوضح أن نحو 40 صحفياً فقدوا حياتهم خلال الحرب فيما لا يزال آخرون رهن الاعتقال إلى جانب ملاحقات قانونية دفعت كثيرين إلى الهجرة القسرية لافتًا إلى أن الاستهداف لم يعد استثناءً بل أصبح نمطًا، بعضها تحت مواد قد تصل عقوبتها إلى الإعدام ويضيف أن فقدان نحو 90% من الصحفيين لوظائفهم بعد استهداف المؤسسات الإعلامية، خلق أزمة معيشية حادة بالتوازي مع تصاعد خطاب الكراهية والاستقطاب داخل الوسط الإعلامي.

تصفية حسابات

و ينتقد الصحفي يوسف حمدالنيل ما وصفه بـ”تسييس الحريات الصحفية”، حيث تحولت بحسب رأيه لدى بعض الممارسين إلى أداة لتصفية الحسابات الشخصية في ظل غياب دور فاعل للجهات التنظيمية. كما يشير إلى مفارقة لافتة تتمثل في التضييق على الصحفيين المهنيين بحجة الأمن القومي  بينما تتداول المعلومات ذاتها عبر ناشطين دون مساءلة ما يضعف مصداقية البيئة الإعلامية ويزيد من تعقيدها.

مأساة غير مسبوقة

وو صف الاتحاد السودانيين ما تواجهه الصحافة السودانية بأنه مأساة غير مسبوقة مشيراً إلى استشهاد 26 صحفيا واعتقال المئات مع وجود نحو 20 صحفياً في سجون سرية بمصير مجهول كما رصد تدميرا واسعا للبنية التحتية الإعلامية شمل مؤسسات رسمية كوكالة السودان للأنباء وهيئة الإذاعة والتلفزيون إضافة إلى حرق الأرشيف ونهب المعدات ما أدى إلى تشريد آلاف العاملين في القطاع واعتبر الاتحاد أن هذه الانتهاكات ترقى إلى جرائم حرب داعيا إلى تدخل دولي عاجل لحماية الصحفيين ومحاسبة المسؤولين.

 

​هذا التباين في الأرقام والإحصائيات بين المصادر المهنية والجهات الرسمية والنقابية لا يعكس اختلافاً في التقدير فحسب بل يجسد بعمق مأساة أزمة التوثيق في السودان، حيث تضيع الحقيقة خلف غبار المعارك وتعدد المنابر ويصبح مجرد إحصاء الضحايا مخاطرة بحد ذاتها.

 

إلى جانب الانتهاكات وتراجع البيئة المهنية يبرز عامل اقتصادي لا يقل خطورة على الصحافة يتمثل في انهيار سوق الإعلان الذي كان يمثل المصدر الرئيسي لتمويل المؤسسات الإعلامية في السودان هذا الانهيار دفع عدداً من الصحفيين والمنصات إلى العمل في بيئة مالية هشة، ما أدى إلى تداخل الأدوار بين الصحافة وصناعة المحتوى الممول وفي هذا السياق، يرى حمد النيل أن هذا التحول أسهم في إعادة تشكيل المشهد الإعلامي بصورة غير تقليدية حيث أصبحت الاستقلالية المهنية أكثر هشاشة في ظل محدودية الموارد وتراجع الأطر المؤسسية الضابطة للعمل الصحفي.

تقييد شبه كامل

المستشارة القانوني إجلال أحمد الهادي تؤكد أن ما يتعرض له الصحفيون “يمثل نمطا ممنهجا من الانتهاكات”، تجاوز التضييق إلى تقييد شبه كامل لحرية الصحافة مما يتعارض مع حرية التعبير التي نص عليها الدستور والتي توافقت عليها كل المواثيق الدولية الخاصة بالعمل الاعلامي مشيرة إلى أن الانتهاكات شملت القتل، الاعتقال التعسفي، فتح بلاغات جنائية كيديه بغرض الترهيب ومن سلم منها شمله خطاب التخوين، فضلاً عن استهداف دور ومقرات المؤسسات الإعلامية بهدف نسف البنيه التحتيه مما أدى إلى فقدان مصادر الرزق ودفع كثيرين إلى الانزواء بعيدا عن المجال واللجوء للهجرة كحل قصري بعد ان ضاقت بهم سبل العيش وفقدوا متنفسهم في التعبير الصحي عن مشاكل والام المجتمعات وشددت المستشارة على أن هذه الممارسات لا تمثل انتهاكا فرديا فحسب بل عملا يؤدي لحرمانا مجتمعيا من الحق في المعرفة”.

ورغم هذا الواقع القاسي لا تزال الصحافة السودانية تحاول الصمود فبين أنقاض المؤسسات وشتات الصحفيين تتشكل ملامح جديدة لمهنة تبحث عن أدوات مختلفة تعتمد على التكنولوجيا والمنصات البديلة لكنها تظل في حاجة ماسة إلى بيئة قانونية وتنظيمية تحميها وتعيد لها توازنها المهني.

إن ما يجري في السودان اليوم ليس مجرد أزمة صحفية عابرة بل اختبار حقيقي لقدرة المهنة على البقاء في وجه الحرب ولحق المجتمع في معرفة الحقيقة فحين تُستهدف الصحافة لا يقمع صوت الصحفي وحده بل يحرم وطن كامل من رواية قصته.

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى