الاحتياطي الإلزامي في البنوك السودانيه بين الحذر النقدي ودوافع النمو
وليد دليل _ خبير مصرفي

تحليل الاحتياطي الإلزامي في السودان (2025-2026) يعكس حالة من “الهندسة المالية الاضطرارية”؛ حيث يحاول البنك المركزي إدارة اقتصاد حرب في مرحلة انتقالية نحو التعافي. هذا التوازن بين الحذر والنمو هو عملية معقدة يمكن تفصيلها عبر المحاور التالية:
1. الأهداف: التوازن بين “المكابح” و”المحرك”
يسعى البنك المركزي من خلال تعديل نسب الاحتياطي الإلزامي (التي اتجهت نحو الانخفاض لتصل إلى 10% ثم استهداف 7%) إلى تحقيق معادلة صعبة:
تحفيز “دوافع النمو”: عبر تحرير جزء من أموال المودعين المحتجزة لدى المركزي، مما يزيد من السيولة الفائضة (Excess Reserves) لدى البنوك، ويشجعها على تمويل القطاعات المحركة للاقتصاد (الزراعة والصناعة التحويلية).
الحذر النقدي (امتصاص الصدمات): الاحتياطي يظل أداة لحماية المودعين وضمان حد أدنى من الأمان في حال حدوث سحب مفاجئ للودائع، وهو وسيلة غير مباشرة للتحكم في المضاعف النقدي ومنع الانفلات الكامل لعرض النقود.
إعادة الإعمار والشمول المالي: إلزام البنوك بتوجيه نسبة 12% من محافظها للتمويل الأصغر يهدف إلى خلق فرص عمل سريعة ودعم الأسر والشركات الصغيرة التي تضررت من الحرب.
2. المعوقات: تحديات تضعف أثر السياسة النقدية
رغم طموح السياسات لعام 2026، إلا أن الواقع يفرض قيوداً ثقيلة:
تآكل القاعدة الرأسمالية: فقدان أصول بنكية بمليارات الدولارات وتدمير فروع كاملة جعل العديد من البنوك في حالة “عسر مالي” فني، مما يجعل خفض الاحتياطي الإلزامي غير كافٍ وحده لتحفيز الإقراض.
ضعف الثقة والادخار: تراجع الودائع المصرفية نتيجة نزوح المواطنين وفقدان الثقة في النظام المصرفي يجعل المبالغ المحررة من “الاحتياطي” ضئيلة ولا تكفي لتمويل مشاريع استراتيجية كبرى.
التضخم الهيكلي: التضخم في السودان ليس نقدياً فقط (بسبب عرض النقود)، بل هو تضخم عرض ناتج عن تعطل سلاسل الإمداد وتدمير المصانع؛ لذا فإن زيادة السيولة (دوافع النمو) قد تنعكس فوراً في ارتفاع الأسعار بدلاً من زيادة الإنتاج.
3. استشراف المستقبل: نحو “المرونة المستدامة”
يتجه مستقبل الاحتياطي الإلزامي والسياسة النقدية في السودان نحو مسارات أكثر تخصصاً:
التصنيف النوعي للمصارف: من المتوقع أن يتحول المركزي إلى سياسة “الاحتياطي المتمايز”، بحيث تُمنح البنوك الأكثر التزاماً بتمويل القطاعات الإنتاجية أو التي تتبنى التمويل الأخضر نسب احتياطي أقل كمكافأة لها.
الرقمنة كبديل للسيولة التقليدية: سيقل الاعتماد تدريجياً على الاحتياطي النقدي “الورقي” مع التوسع في النقود الرقمية ونظم الدفع الإلكتروني، مما يسهل على المركزي مراقبة سرعة دوران النقود بدقة أعلى.
الارتباط بالذهب والنقد الأجنبي: نجاح السياسة مرهون بقدرة المركزي على بناء احتياطيات حقيقية من الذهب (كما أعلنت المحافظة في 2025-2026)، لتكون ظهيراً قوياً يمنع انهيار العملة عند التوسع في منح الائتمان.
خلاصة التحليل
الاحتياطي الإلزامي في السودان اليوم ليس مجرد أداة تقنية، بل هو رسالة سياسية واقتصادية. خفضه يعني أن الدولة تراهن على “الإنتاج” للخروج من نفق الحرب، لكن هذا الرهان يظل محفوفاً بمخاطر التضخم الجامح ما لم تصاحبه رقابة صارمة على وجهة التمويل لضمان ذهابه للإنتاج لا للمضاربة في العملة
هل البنوك التجارية السودانية، في وضعها الحالي، قادرة فعلاً على تحويل هذه السيولة “المحررة” إلى قروض إنتاجية، أم أنها ستفضل الاحتفاظ بها كسيولة حذرة لمواجهة الطوارئ؟
هذا السؤال يلمس الجانب الأكثر تعقيداً في المشهد المصرفي السوداني حالياً. فرغم أن بنك السودان المركزي فتح “صنبور” السيولة عبر خفض الاحتياطي الإلزامي، إلا أن قدرة البنوك على تحويل هذه الأموال إلى قروض إنتاجية تصطدم بواقع مرير يجعل من خيار “الاحتفاظ بالسيولة” أو “التوظيف الحذر جداً” هو الأرجح لعدة أسباب جوهرية:
1. معضلة “الشهية للمخاطر” (Risk Appetite)
البنوك بطبيعتها مؤسسات “كارهة للمخاطر”، وفي ظل وضع السودان الحالي، وصلت المخاطر إلى مستويات غير مسبوقة:
تدمير الضمانات: الضمانات التقليدية (عقارات، مصانع، مخزون) إما دُمرت أو فقدت قيمتها السوقية أو تقع في مناطق غير آمنة.
صعوبة الملاحقة القانونية: في حالة تعثر العميل، فإن النظام القضائي والتنفيذي يعاني من اضطرابات، مما يجعل استرداد أموال البنك عملية شبه مستحيلة.
النتيجة: ستفضل البنوك الاحتفاظ بالسيولة في أصول سائلة جداً (مثل ودائع لدى المركزي أو ذهب) بدلاً من المخاطرة بمنحها كقروض قد لا تعود.
2. الفجوة بين الودائع والتمويل (Liquidity Trap)
توضح التقارير أن البنوك تعاني من ضغوط شديدة في السيولة النقدية نتيجة:
سحب الودائع: النزوح الجماعي أدى لسحب كميات كبيرة من الأموال.
انعدام الثقة: تحول الجمهور إلى “الاكتناز المنزلي” بدلاً من إيداع الأموال في المصارف.
النتيجة: السيولة “المحررة” من خفض الاحتياطي الإلزامي قد لا تذهب لتمويل مشاريع جديدة، بل ستُستخدم لسداد التزامات قائمة للمودعين أو لتغطية العجز اليومي في السيولة داخل فروع البنك.
3. التضخم وتآكل رأس المال
مع استهداف معدل نمو في عرض النقود بنسبة 47.6% وتضخم يتجاوز 65%، يصبح منح “قرض طويل الأمد” عملية خاسرة للبنك:
القيمة الشرائية للمبلغ الذي سيسترده البنك بعد عام ستكون أقل بكثير من قيمته وقت المنح.
النتيجة: ستميل البنوك إلى التمويلات قصيرة الأجل جداً (مثل تمويل التجارة أو الصادر) التي تضمن دورة رأس مال سريعة، بدلاً من تمويل “النمو الإنتاجي” (زراعة، صناعة) الذي يحتاج لسنوات لآتي أكله.
4. التوجه نحو “الاستثمارات المضمونة”
أعلنت محافظة المركزي عن بناء احتياطيات من الذهب والنقد الأجنبي. هذا قد يدفع البنوك التجارية إلى توجيه سيولتها المحررة نحو:
المساهمة في شراء الذهب لصالح البنك المركزي.
الدخول في عمليات استيراد السلع الاستراتيجية المضمونة من قبل الدولة.
هذا يحقق “نمو” في أرقام الميزانية، لكنه ليس “نمواً إنتاجياً” حقيقياً يغير واقع المواطن.
الخلاصة: “نمو حذر وانتقائي”
أرى أن البنوك لن تنجح في تحويل السيولة إلى قروض إنتاجية بشكل شامل؛ بل سنشهد “ازدواجية” في التعامل:
في الولايات الآمنة: قد نشهد حركة تمويل محدودة وحذرة للزراعة والصناعات الصغيرة (التمويل الأصغر بالسقف الجديد 30 مليون جنيه).
بشكل عام: ستظل الغالبية العظمى من البنوك تفضل الاحتفاظ بالسيولة كـ “درع حماية” لمواجهة أي سحوبات مفاجئة أو تقلبات في سعر الصرف، ولن تغامر بتمويل قطاعات إنتاجية كبرى ما لم توفر الدولة صناديق ضمان مخاطر حقيقية تغطي خسائر الحرب