حماية العملة أم معاقبة المواطن؟ حظر الاستيراد تحت مجهر الواقع
عين على الواقع: اعتدال احمد الهادي

ليس كل قرار اقتصادي يُتخذ في زمن الأزمات يُعد “شجاعة” فبعضها ليس سوى عملية “ترحيل للأزمات” من عاتق الدولة إلى كاهل المواطن. وهذا بالضبط ما يفعله قرار حظر استيراد 46 سلعة، الذي صدر تحت لافتة “ترشيد النقد الأجنبي”، بينما يفتقر في جوهره لأبسط شروط الواقعية الاقتصادية في كل مرة تطرح فيها قرارات تحت شعار “حماية العملة” يبرز السؤال المسكوت عنه: من يدفع الثمن؟ في الحالة السودانية، الجواب ليس معقدا فالمواطن هو “الحلقة الأضعف” الذي يتحمل الكلفة كاملة وسط تضخم خانق وانهيار مستمر في القوة الشرائية بدلا من مواجهة جذور الأزمة اختارت الحكومة الطريق الأقصر: “تقليص الاستيراد” وهو حل لا يوقف التدهور، بل يعيد توزيع كلفته الدولة تخفف الضغط على الدولار “نظرياً”، لكنها تفقد السيطرة على السوق “عملياً”.
المعادلة واضحة وقاسية: سلع أقل مع طلب ثابت تعني حتماً أسعاراً أعلى لا يحتاج الأمر لخبراء فالتجار مدفوعون بالخوف من الشح القادم، سيعيدون تسعير مخزونهم فوراً، ومع أول نقص فعلي، سندخل في موجة غلاء قد تخرج عن السيطرة، لتتحول متطلبات المعيشة اليومية إلى عبء لا يطاق.
وهم الإنتاج المحلي في زمن الحرب:
تكمن المشكلة الكبرى في “التوقيت” السودان لا يبحث اليوم عن توازن تجاري في ظروف مستقرة، بل يواجه انهياراً ناتجاً عن الحرب الرهان على “الإنتاج المحلي” حالياً هو نوع من التمني لا السياسة فأي إنتاج ننتظر في ظل مصانع مدمرة، وطرق مقطوعة، وبيئة استثمارية طاردة؟ الحديث عن “التعويض المحلي” في ظل هذه الظروف لا يفتقر للدقة فحسب، بل يقوّض مصداقية القرار.
علاوة على ذلك فإن هذا الحظر سيفتح باب “التهريب” على مصراعيه. ومع ضعف الرقابة، ستتدفق السلع عبر شبكات غير رسمية، بلا ضرائب وبأسعار مضاعفة. النتيجة؟ الدولة تخسر الإيرادات، السوق يفقد الانضباط، والمواطن يدفع الفاتورة.
هذه السياسات تعالج “العرض” وتترك “المرض”. الأزمة ليست في حجم الاستيراد فحسب، بل في تعطل الإنتاج، وغياب الاستقرار، وانعدام الثقة في المنظومة الاقتصادية. السياسة التي لا تضع المواطن في مركزها تتحول إلى عبء إضافي عليه مهما حسنت النوايا.
السؤال ليس: هل نحمي العملة؟ بل: بأي ثمن ولصالح من؟حماية الاقتصاد لا تُقاس بالأرقام في دفاتر الحسابات، بل بما يحدث في حياة الناس على الأرض وما نراه اليوم ليس مجرد قرار اقتصادي، بل اختبار قاسٍ لقدرة المواطن السوداني على التحمل.