Uncategorizedتحليل ورأي

عين على الواقع_ القلم في قفص الاتهام

اعتدال احمد الهادي

 

صحافة السودان…

تزامنا مع فعاليات اليوم العالمي لحرية الصحافة التي أُقيمت في أم درمان يطرح الواقع سؤالا أكثر إلحاحا

كم يدفع الصحفي ثمن محاولته قول الحقيقة؟

في  اليوم الذي يفترض أن يحتفى فيه بحرية الصحافة يجد صحفيو السودان أنفسهم أمام واقع أكثر قسوة: زملاء قتلوا آخرون اختفوا ومؤسسات إعلامية أحرقت و نُهبت. لم يعد هذا توصيفا عاما  بل واقعا موثقا فقد كشف الاتحاد العام للصحفيين السودانيين بالتزامن مع الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة عن حصيلة مروعة للانتهاكات منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 وبحسب البيان قتل 26 صحفيا وصحفية جراء الرصاص المباشر أو القصف، فيما تعرض المئات للاعتقال التعسفي ولا يزال نحو 20 صحفيا رهن الاحتجاز في ظروف غامضة كما أشار إلى تشريد آلاف الإعلاميين بعد تدمير مقار عملهم ومنازلهم ولم تقف الانتهاكات عند الأفراد بل امتدت إلى البنية التحتية حيث طالت عمليات التدمير مؤسسات إعلامية كبرى مع حرق الأرشيف ونهب معدات تقدر قيمتها بملايين الدولارات ما أدى إلى تشريد نحو 2500 من العاملين في القطاع الإعلامي في مشهد يعكس استهدافا ممنهجا للصحافة ككل. هذه ليست مجرد تجاوزات عابرة، بل صورة مكتملة لانهيار بيئة العمل الصحفي.

ولعل الجريمة الأكثر صمتا وإيلاما في هذه الحرب هي استهداف الأرشيف الإعلامي السوداني.
حرق ونهب المكتبات الورقية والإلكترونية ومستودعات الأشرطة في الإذاعة والتلفزيون والمؤسسات الصحفية العريقة ليس مجرد خسارة لمعدات تقنية بل هو اغتيال للذاكرة الوطنية السودانية.
تدمير هذه السجلات يعني حرمان الأجيال القادمة من حقها في معرفة تاريخها وتحويل الصحافة من شاهد على العصر إلى ضحية بلا لسان في  محاولة  لمسح “البصمة الوراثية” للوعي السوداني ليبقى المستقبل بلا جذور.

الخطاب الرسمي لا يزال يتحدث عن الصحافة كسلطة رابعة لكن هذه “السلطة” تترك عارية بلا حماية، وتطالب في الوقت نفسه بالانضباط.
أي مفارقة هذه؟
أن يطلب من الصحفي أن يكون حراً ومسؤولاً، بينما يُحاصر بالخوف والفقر والتهديد؟
لكن الأزمة لا تأتي من الخارج وحده داخل الوسط الصحفي يتسع الانفلات المهني بصورة مقلقة تحوّلت بعض المواقع الاسفيرية إلى ساحات هجوم وتشهير بين الزملاء، دون ضوابط أو محاسبة تُذكر من الجهات المختصة وكأن هذا الوسط يسير بلا مرجعية تضبط إيقاعه أو تحمي قواعده هذا السلوك لا يسيء للأفراد فقط بل يضرب في صميم المهنة، ويقوّض ما تبقى من مصداقيتها فغياب المساءلة لا ينتج حرية بل فوضى. وحرية التعبير لا يمكن أن تكون غطاءً للإساءة أو التجاوز أما الحلول المطروحة مثل دمج المؤسسات أو دعمها حكومياً فتظل محل تساؤل: هل نحن أمام محاولة لإنقاذ الصحافة أم لإعادة تشكيلها وفق توازنات جديدة؟ ما يحدث اليوم ليس فقط انتهاكاً لحرية الصحافة بل إعادة تعريف قاسية: تمارس تحت التهديد… أو لا تُمارس على الإطلاق.
ومع ذلك يواصل الصحفي السوداني العمل لا لأن الظروف مواتية… بل لأن البديل أكثر خطورة: الصمت.
و لأن المعركة اليوم لم تعد فقط من أجل حرية الصحافة بل من أجل بقاء الحقيقة نفسها.
فحينما يصبح القلم اتهاما والكلمة دليلاً والحروف ساحة محكمة، وتتحول مواقف كشف الحقائق إلى مواد اتهام… تصبح الصحافة مهنة قاتلة في زمن يضيق فيه هامش الحقيقة، ويرفضها الحكام والطغاة.

يأتي اليوم العالمي لحرية الصحافة والسودان يرزح تحت وطأة سنوات عجاف من الحرب، التهمت ما تبقى من استقرار وخلطت الصبر بالإرهاق والقوة بالانكسار قُتل إنسان وتفرقت الأقلام وجفت صحائف كانت يوما تنبض بحروف مدادها الوطن.
في هذا اليوم نستحضر أسماءً غابت قسرا وأخرى سقطت دفاعا عن الكلمة وصحفيين ما زالوا بين اعتقال واختفاء ومع ذلك تبقى إرادة الحرف عصية على الانكسار ما دام هناك من يحمل القلم ويشعل به نور الحقيقة.
فالصحافة رغم كل شيء تظل مهنة المتاعب… جوهرها الصدق ورسالتها كشف الفساد وغايتها إظهار الحقيقة.
هي سلطة رابعة، لا لتهادن بل لتُساءل وتكتب… حتى في أحلك الظروف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى