تحليل ورأي

سقوط الصفوة في فخ التزييف: كيف تحولت منصاتنا إلى ساحة لحروب المعلومات؟1_3

عين على الواقع: اعتدال احمد الهادي

 

في خضم الصراع الدائر في السودان لم تعد “الحرب الإعلامية” مجرد نشاط عشوائي بل تحولت إلى “ماكينة” احترافية تعمل على تزييف الواقع لخدمة أجندات سياسية هذه الماكينة التي لا تهدأ تتبع استراتيجية مدروسة في استهداف مؤسسات الدولة فهي تنهش تارة في مجلس السيادة، وتصوّب سهامها تارة أخرى نحو مجلس الوزراء، ومن ثم تنتقل لتفتيت ثقة المواطن في الوزارات السيادية والخدمية و الشخصيات العامة، إنها عملية “اغتيال معنوي” ممنهجة لكل ما يمثل كيان الدولة، مستغلةً حالة الاستقطاب لتمرير الروايات المضللة ما يلفت الانتباه في المشهد الإعلامي الحالي ليس فقط انتشار المعلومات المضللة بل تكرارها في أنماط يمكن رصدها، وسرعة تداولها حتى داخل دوائر يفترض أنها أكثر التزاما بالتحقق بما في ذلك بعض المنصات الصحفية.

الأنياب التي كشرت ضد التعليم

استهداف وزارة التعليم والتربية الوطنية ليست محض صدفة، بل جاء كحلقة أولى ومبكرة في سلسلة التضليل فمنذ أن رفعت الوزارة شعار “التعليم لازم يستمر” في الولايات الامنة وأعلنت عن قيام امتحانات الشهادة للدفع المؤجلة، بدأت غرف الإعلام الممنهجة في تكشير أنيابها، مترصدةً كل فرصة صغيرة لتحويلها إلى “أزمة رأي عام”.
​و تجلّى خبث هذا الاستغلال حينما ظهرت طالبة في مقطع فيديو تسيء لأساتذتها نتيجة تشديد الرقابة عليها ومنعها من “الغش” داخل القاعة. وهنا، لم تفوّت مطابخ الشائعات الفرصة، فقفزت فوق الواقعة الفردية لخدمة أجندتها، وأصدرت فوراً “بياناً مزوراً” منسوباً للوزير (باسم منتحل) يدعي فصل الطالبة وحرمانها من الامتحان كان الهدف واضحاً: استغلال عواطف الناس وتصوير الدولة بمظهر “المستبد” الذي يحطم مستقبل الطلاب، بدلا من حمايته والمثير للأسى أن عدداً من “الصفوة” الصحفية انساقوا خلف هذا التزييف، مروجين للبيان الكاذب دون أدنى تثبت، مما كشف عن هشاشة صادمة في جدار التدقيق المهني أمام غرف الشائعات التي تتربص بكل ما يخص استعادة الحياة التعليمية.
ورغم عدم ثبوت صحة البيان، إلا أنه انتشر على نطاق واسع قبل أن يتبين لاحقاً أنه يحتوي على معلومات غير دقيقة، بما في ذلك تفاصيل متعلقة بالجهة المنسوبة إليه هذه الواقعة أعادت طرح سؤال مهم حول آليات التحقق في التعامل مع المحتوى المتداول، خاصة حين يتعلق بمؤسسات رسمية وملفات عامة حساسة.​

​استكمال مسلسل الزييف

عقب فشل محاولة البيان المزور في وقف الحراك التعليمي، انتقلت هذه الغرف إلى تكتيك “بصري” أكثر خبثاً وهو نشر صور لطلاب يؤدون امتحاناتهم في العراء، قُدمت على أنها تعود لامتحانات الشهادة السودانية لعام 2026 في مدينة قولو بجبل مرة.
غير أن التحقق من هذه الصور يشير إلى أنها تعود إلى أبريل 2024، وتوثق امتحانات لمرحلة ابتدائية (الصف السادس) في منطقة فنقا بشرق جبل مرة، وليس ما تم تداوله في السياق الحالي.

كما أن المنطقة التي التُقطت فيها هذه الصور تُعد من المناطق التي لم تُنظَّم فيها امتحانات الشهادة السودانية خلال الفترة الأخيرة، حيث يضطر طلاب المرحلة الثانوية إلى الانتقال وقطع مسافات طويلة للجلوس للامتحانات في مناطق أكثر استقراراً.
ويعزز ذلك من فرضية أن إعادة نشر هذه الصور في سياق امتحانات الشهادة السودانية الحالية لا يعكس واقع العملية الامتحانية، بقدر ما يعكس استخدام محتوى خارج سياقه لإنتاج انطباع مضلل.

إعادة نشر صور قديمة خارج سياقها الزمني والمكاني يعكس إشكالية أوسع تتعلق بإعادة تدوير المحتوى في الفضاء الرقمي، وتحويله إلى مادة آنية دون تحقق كافٍ.
نمط يتكرر في التوقيت والسياق ما يلفت الانتباه في هذه الحالات هو تزامنها مع محطات مفصلية في العملية الامتحانية، سواء عند إعلان الامتحانات أو أثناء انعقادها أو عقب إعلان النتائج، وهو ما يفتح باب التساؤل حول طبيعة هذا التكرار: هل هو نتاج فوضى معلومات في بيئة حرب، أم أن ملف امتحانات الشهادة السودانية بات عرضة لاستخدام متكرر للمحتوى المضلل في تشكيل الرأي العام؟

إشكالية التلقي والإعلام

في بيئة تتسم بتدفق كثيف للمعلومات وضعف أحياناً في التحقق من مصادرها، تصبح الفجوة بين الخبر الصحيح والمضلل أكثر اتساعاً، خصوصاً عندما يعاد نشر المحتوى دون العودة إلى مصدره الأول.
وفي بعض الحالات، يمر هذا المحتوى عبر منصات إعلامية أو حسابات ذات طابع مهني، ما يمنحه مصداقية إضافية، حتى وإن كان غير دقيق أو خارج سياقه معاناة السودانيين لا تحتاج إلى تزييف لكي يراها العالم، بل تحتاج إلى أمانة في النقل وشجاعة في قول الحقيقة.

وما بين البيان المتداول والصورة المعاد نشرها، تتشكل حالة إعلامية معقدة، تتداخل فيها الحقيقة مع إعادة الإنتاج غير الدقيق للمحتوى و في ظل هذا الواقع، يصبح التحدي الأكبر ليس فقط في إنتاج المعلومة، بل في التحقق منها قبل إعادة تداولها خاصة في الملفات الحساسة التي تمس مستقبل الطلاب والرأي العام.
في كل الأحوال يبقى السؤال مفتوحاً: كيف يمكن تقليل مساحة التشويش في بيئة يصبح فيها التحقق نفسه جزءاً من المعركة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى