
في ظل ظروف استثنائية وتحديات غير مسبوقة تتجه أنظار السودان والعالم اليوم إلى أكثر من 560 ألف طالب وطالبة يخوضون امتحانات الشهادة السودانية في مشهد يتجاوز كونه استحقاقًا أكاديميًا ليغدو شهادة حقيقية على الصمود في وجه الحرب والأزمات هذه الامتحانات التي تُعقد للمرة الثالثة في خضم أزمة البلاد، لا تمثل مجرد محطة أكاديمية عادية، بل هي شهادة حية على صمود الإرادة التعليمية ودور وزارة التعليم والتربية الوطنية المقدر في الحفاظ على مستقبل الأجيال.
أرقام تعكس حجم التحدي
يمثل عدد الطلاب المتقدمين هذا العام مؤشرا واضحا على الإصرار على مواصلة المسيرة التعليمية، رغم قسوة الواقع فمع انطلاق الامتحانات في تمام الساعة الثانية ظهراً بتوقيت السودان، يتوزع هؤلاء الطلاب على 3,333 مركزاً للامتحان، تنتشر في مدن شتى وبلاد مختلفة هذا الانتشار الواسع للمراكز يشمل ليس فقط المدن السودانية التي تعيش ظروفاً صعبة، بل يمتد أيضاً ليشمل مراكز خارجية في دول مثل رواندا (كيغالي)، وتشاد، ومصر، والمملكة العربية السعودية، وغيرها من الدول التي تستضيف الطلاب السودانيين في دلالة واضحة على اتساع رقعة التحدي ليتسع معه نطاق الأمل وبحسب تقديرات غير رسمية ان إجمالي نسبة الطلاب الذين يجلسون للامتحانات خارج البلاد تتراوح ما بين 10% إلى 15% ما يعكس حجم تأثير الحرب على العملية التعليمية، وفي الوقت ذاته يؤكد امتدادها وقدرتها على التكيف مع الواقع الجديد.
جهد مؤسسي في قلب الأزمة
اضطلعت وزارة التعليم والتربية الوطنية بدور محوري ومقدر في إنجاح هذه العملية التعليمية المعقدة حيث تمكنت رغم التحديات الأمنية واللوجستية الهائلة من تأمين وصول أوراق الامتحانات إلى جميع المراكز داخل السودان و خارجه ويعكس هذا الإنجاز مستوى عالٍ من التنسيق خاصة مع السفارات الخارجية، لتسهيل جلوس الطلاب من اللاجئين والنازحين.
إن الإصرار على عقد الامتحانات للمرة الثالثة في ظل ظروف الحرب يؤكد التزام الوزارة الراسخ بضمان عدم ضياع مستقبل الأجيال و يتجلى هذا الالتزام في توفير التسهيلات اللازمة، بما في ذلك فتح مراكز امتحان في مناطق النزوح واللجوء، مما أتاح للعديد من الطلاب فرصة استكمال تعليمهم رغم قسوة الظروف ما يضمن عدم انقطاعهم عن مسارهم التعليمي.
طلاب في مواجهة القسوة
لم تكن رحلة هؤلاء الطلاب إلى هذه اللحظة سهلة فقد جلس الكثير منهم للامتحانات في مدارس ومدن لم يعرفوها ولم يألفوها من قبل بعد أن أجبرتهم ظروف الحرب على النزوح واللجوء وتتضاعف التحديات مع الضغوط النفسية الهائلة التي تعرضوا لها من فقدان الأهل والأصدقاء، والعيش في ظروف غير مستقرة تضاف إلى الفجوة التعليمية التي نتجت عن انقطاع الدراسة لفترات طويلة بسبب الحرب اللعينة التي شنتها مليشيا ال دقلو على البلاد ومع ذلك، فإن إرادة هؤلاء الطلاب الصلبة التي لم تلن تؤكد أن التعليم ما زال ممكنًا حتى في أقسى الظروف فكل طالب يجلس اليوم للامتحان هو قصة صمود وتحد يجسد الأمل في مستقبل أفضل للسودان.
لا يمكن النظر إلى هذه الامتحانات بمعزل عن مستقبل الدولة نفسها إذ يشكل استمرار العملية التعليمية في أدنى مستوياتها خط الدفاع الأول ضد الانهيار وحجر الأساس لأي مشروع وطني لإعادة البناء، حيث لا تنهض الدول من ركام الحروب إلا بعقول متعلمة قادرة على استعادة المعنى وصناعة الغد.
إن انعقاد امتحانات الشهادة السودانية في هذه الظروف لا يمثل مجرد نجاح إداري بل ملحمة تعليمية و انتصار للإرادة الوطنية والعزيمة التي تتجاوز أصعب الظروف ورسالة واضحة بأن التعليم في السودان لن يتوقف، وأن الأمل رغم كل شيء لا يزال حيا في وجوه طلابه.