تحليل ورأي

السيادة النقدية في السودان: قراءة فنية لخطورة الانقسام بين شرعية الدولة وسلطة “التأسيس” الموازية

وليد دليل خبير مصرفي

يمر المشهد المالي في السودان بتحول بنيوي عالي المخاطر، تجاوزت فيه الأزمة مجرد خسائر مادية أو تضخم جامح، لتصل إلى مرحلة “الشرذمة النقدية الكاملة” والمأسسة الفعلية لانقسام السلطة المالية. من منظور التحليل المصرفي الاستراتيجي، فإن إصدار النقد والرقابة على الجهاز المصرفي هما الحصن الأخير لسيادة الدولة؛ وعندما تنشأ منظومة مالية موازية تفرض نفوذها على جغرافيا معينة، فإننا لا نتحدث عن أزمة اقتصادية فحسب، بل عن تفكيك ممنهج للمساحة الاقتصادية الموحدة للدولة.
​في هذا المقال، أتناول كخبير مصرفي أبعاد الصراع النقدي المحتدم بين بنك السودان المركزي (الشرعي) وحكومة “التأسيس” المدنية التابعة للمتمردين، مفككاً جذور الأزمة ومستشرفاً مآلاتها.
​أولاً: التوصيف المالي للوضع الاقتصادي الراهن
​يعيش السودان واقع “الاقتصادين المنفصلين” تحت مظلة دولة واحدة، ويتسم الوضع بالمؤشرات الحرجة التالية:
​خروج الكتلة النقدية عن السيطرة: يعاني الاقتصاد من سيولة ورقية تالفة أو منهوبة، وتقدر الأوساط المصرفية أن أكثر من 85% من الكتلة النقدية المتداولة تقع خارج مظلة النظام المصرفي الرسمي.
​انخفاض حاد في الناتج المحلي الإجمالي: تسببت الحرب في توقف شبه كامل للأنشطة الإنتاجية والصناعية، مع تآكل الاحتياطيات الأجنبية وتدهور تاريخي لقيمة الجنيه السوداني.
​أزمة “الكاش” وعمولة السيولة: تعيش المناطق الخاضعة لسيطرة المتمردين شللاً في السيولة الورقية، مما دفع التجار لفرض عمولات ضخمة وصلت في بعض الفترات إلى أرقام فلكية لاستبدال الأموال الرقمية عبر التطبيقات بنقود ورقية.
​ثانياً: أسباب الانقسام المصرفي (صراع السلطة الشرعيه وسلطة “التأسيس”)
​لم يعد الانقسام المصرفي مجرد تعطل للفروع، بل تحول إلى صراع سيادي بامتياز مدفوع بقرارات متضادة بين الطرفين:
​سلاح تغيير العملة وسحب الشرعية: اتخذ بنك السودان المركزي الشرعي خطوة استراتيجية بمحاصرة الأموال المنهوبة عبر إعلان تغيير فئتي الـ 1000 والـ 500 جنيه. قوبل هذا القرار برفض قاطع من قوات الدعم السريع التي اعتبرته خطوة لتقسيم البلاد، ودعت المواطنين في مناطقها لعدم التعامل بالفئات الجديدة، مما خلق حاجزاً نقدياً بين أقاليم السودان.
​تأسيس المنظومة المصرفية الموازية (حكومة التأسيس): رداً على التضييق المالي، شرعت حكومة “تأسيس” المدنية (التابعة للدعم السريع برئاسة محمد حسن التعايشي) في بناء نظام مالي مستقل. وتوّجت هذه الخطوات بإصدار مرسوم بإنشاء “مجلس العملة الانتقالي”، وتعيين محافظ لبنك مركزي موازٍ (حسين يحيى جنقول) لشرعنة الأنشطة المصرفية في مناطق سيطرتهم.
​التنافس على التطبيقات الرقمية وبدائل نظام المقاصة: نتيجة للقيود الرقابية التي فرضتها السلطة الشرعية على التطبيقات الرسمية (مثل تطبيق بنكك التابع لبنك الخرطوم)، حاول الطرف المتمرد إدخال منصات رقمية بديلة مثل “بنك المستقبل” وتطبيقاته لكسر الحصار المالي وبناء دورة مدفوعات مستقلة.
​ثالثاً: التأثير السلبي المباشر على الاقتصاد الكلي
​إن نشوء سلطة نقدية موازية غير معترف بها دولياً يلقي بظلال كارثية على البنية الاقتصادية:
​العزلة المصرفية المطلقة والوقوع في فخ غسيل الأموال: إن قيام سلطة متمردة بإنشاء بنك مركزي وإصدار تراخيص مصرفية دون مظلة قانونية دولية، يضع تلك المناطق في القائمة السوداء لمكافحة غسيل أموال وتمويل الإرهاب، ويقطع أي أمل في تعامل بنوك الحفظ والمراسلين الدوليين (Correspondent Banks) مع السودان ككل.
​تعميق انقسام الأسواق وتشوه الأسعار: غياب لغة نقدية موحدة أدى إلى تفاوت مرعب في الأسعار والقوة الشرائية للعملة ذاتها بين مناطق سيطرة الدولة الشرعية ومناطق سيطرة المتمردين، مما يدفع بالتضخم إلى مستويات لولبية (Hyperinflation).
​شلل قطاع الصادرات الحيوية: تشتت الرقابة على عائدات الصادرات السيادية (كالذهب والمحاصيل النقدية) يمنع الدولة من الاستفادة من مواردها الحرة لتمويل استيراد السلع الاستراتيجية (القمح، الوقود، الدواء)، حيث تُهدر هذه العوائد في قنوات غير رسمية لتمويل المجهود الحربي.
​رابعاً: آليات معالجة الانقسام من منظور فني
​كمستشار مصرفي، أرى أن الحلول الاقتصادية تظل مكبلة ما لم تُفرض سيادة القانون، ولكن يمكن اتخاذ تدابير فنية صارمة لحماية النظام المالي:
​تغليظ العقوبات المالية الدولية على الكيانات الموازية: يجب على وزارة المالية والبنك المركزي الشرعي التنسيق مع صندوق النقد الدولي وبنك التسويات الدولية (BIS) لإصدار تحذيرات صارمة لكافة المؤسسات المالية الإقليمية والدولية من التعامل مع “بنك المستقبل” أو أي تراخيص صادرة عن حكومة “التأسيس” غير الشرعية.
​إدارة صارمة للتحول الرقمي والنقد: إحكام الرقابة الأمنية والسيبرانية على الشبكات المصرفية لضمان عدم استغلال التطبيقات الإلكترونية الرسمية في تدوير الأموال لصالح اقتصاد التمرد، مع تسهيل قنوات السحب والتحويل للمواطنين المتواجدين في مناطق النزاع لتخفيف وطأة أزمة السيولة وتجفيف سوق العمولات غير القانونية.
​رسملة استثنائية للمصارف المتضررة: إصدار حزمة منشورات تعديلية من البنك المركزي تمنح البنوك التجارية التي تعرضت فروعها للنهب فترات سماح طويلة لمعالجة ديونها الهالكة، وضخ سيولة تسييرية تمنع انهيارها الوشيك وحفظ حقوق المودعين
​سيناريو مأسسة الانفصال المالي (السيناريو الليبي/اليمني): وهو المخطط الذي تسعى إليه حكومة “التأسيس” الموازية. في حال استمراره، سيؤدي إلى نشوء عملتين مختلفتين كلياً بقيم متباينة، وإفلاس جماعي للبنوك التجارية التي تقع مراكزها تحت وطأة قرارات متناقضة، وتحول مناطق واسعة من السودان إلى “بؤرة مالية معزولة” تُدار باقتصاد المقايضة والدولرة العشوائية.
​سيناريو استعادة السيادة والإدماج الدولي (السيناريو المتفائل): ويتحقق بنجاح الدولة الشرعية في بسط سيطرتها وحسم الصراع، مما يسمح لبنك السودان المركزي (الذي باشر العودة للعمل من بعض مقار ولاية الخرطوم) بإعادة ربط كافة الفروع بنظام التسويات الإجمالية الآنية (RTGS) الموحد. هذا السيناريو سيمهد الطريق فوراً لتدفق المساعدات الدولية وإعادة إعمار القطاع المصرفي بناءً على أسس الحوكمة العالمية.
​خلاصة فنية:
إن النظام المصرفي هو القلب النابض لأي دولة؛ ومحاولات المتمردين لإنشاء سلطة نقدية موازية عبر “مجلس العملة” أو تعيين محافظين غير شرعيين هي قفزة في الفراغ تفتقر للغطاء القانوني الدولي. إنقاذ اقتصاد السودان يبدأ من حماية وحدة بنكها المركزي وبسط سلطته الشرعية على كامل التراب الوطني، لمنع انزلاق البلاد نحو تفتت مالي واقتصادي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى