
في الحروب تختبر المعادن وفي اللحظات الفاصلة من تاريخ الأوطان يبرز رجال لا يطلبون من التاريخ أن ينصفهم بل يجبرونه على أن يكتب أسماءهم بحروف من نار وكبرياء.
هكذا كان سيادة اللواء ركن الفاضل أحمد النعيم أحد رجالات القيادة العامة الذين صمدوا داخلها منذ الأيام الأولى للحرب وحتى لحظة التحرير مؤمنا بأن الجيش عقيدة وأن الأرض التي ارتوت بدماء الشرفاء لا تسلم للمعتدين.
عزيز أنت يا وطني رغم قساوة المحن وكم فيك من رجال للديار حارسين ولفنون القتال عارفين وللتضحية بمعانيها جاهزين.
يقول المثل: “من ليس له كبير فليجعل له كبيرا” فرجال القيادة العامة كانوا كبار هذا الوطن في أيام انكشافه وعسره خرجوا لا ليبحثوا عن بطولة بل ليمنعوا سقوط هيبة الدولة وانكسار جيشها.
لقد سجل التاريخ ذلك المشهد الذي حفر في ذاكرة السودانيين حين اعتلى ذلك الجندي “البروجي” داعيا الناس إلى الزود عن القيادة العامة غير مكترث بالرصاص المتطاير من كل اتجاه أراد المتمردون تدنيس الأرض التي تمثل قلب الجيش السوداني لكنهم لم يدركوا أن هناك رجالا ارتدوا الكاكي الأخضر لا كزي عابر، بل كعهد بالشرف والفداء.
وكان الفاضل النعيم واحدا من أولئك الرجال جاء بقواته من منطقة القريشة في أولى اسابيع الحرب معتمرا بزته العسكرية التي تحمل شرف أمة كاملة مؤمنا بأن الدفاع عن القيادة دفاع عن السودان كله رابط هناك في أيام الجوع والعطش والخطر لكنه لم ينس أهله وأسرته ومن حوله، يطمئن عليهم ويوصيهم بالصبر والثبات وحفظ مكارم الأخلاق وكأنما كان يقاتل في الميدان ويحرس الأرواح بالكلمات في آنٍ واحد.
وكما قيل لكل امرئ من اسمه نصيب فالفاضل فاضلا في خلقه حازما في مواقفه حنونا في إنسانيته جمع بين صلابة القائد ودفء الأب وبين الشجاعة العسكرية والنبل السوداني الأصيل. عرفته ميادين القتال قائدا جسورا لا يشق له غبار لكن الذين عرفوه عن قرب يدركون أن أعظم ما فيه لم يكن الرتبة بل القلب الذي ظل عامرا بالإيمان والوفاء والرحمة حتى في أقسى الظروف.
لم تكن أيام القيادة العامة مجرد معركة عسكرية بل كانت امتحانا حقيقيا للرجال وهناك وسط القصف والحصار والجوع وقف الفاضل ورفاقه كالأسود الضارية يرددون أن الجيش لن يؤتى في تاج عليائه وأن أرض القيادة لن تسلم شبرا واحدا.
وبعد سنوات من البذل والصمود جاء تتويجه برتبة لواء ركن مع الإحالة إلى التقاعد تكريما لمسيرة كتبها بالشجاعة والثبات كرجل لم تعرفه ميادين القتال إلا مقداما ولم تعرفه المواقف إلا ثابتا لا ينكسر و بهذا لا يغادر الرجل ذاكرة الوطن لأن أمثال الفاضل لا تنتهي أدوارهم بانتهاء الخدمة بل تبدأ سيرتهم الحقيقية في ذاكرة الشعوب و سيظل اسمه محفورا بين الرجال الذين باعوا الدنيا واشتروا الكرامة، ووقفوا في وجه الانكسار حتى انتصر الوطن.
لا يمكن النظر إلى هذه اللحظة باعتبارها نهاية مسيرة عسكرية فحسب بل تتويجا لرجل أدى الأمانة كاملة غير منقوصة رجل ظل ثابتا حين اضطربت المواقف وصابرا حين عز الصبر وشجاعا حين صار الخوف لغة الكثيرين.
خرج الفاضل أحمد النعيم من المؤسسة العسكرية برتبة عالية لكنه خرج قبلها بمحبة الناس واحترام الرجال ودعوات الأمهات اللاتي رأين في أمثاله سورا يحمي الوطن من الانهيار.
وما الرتب إلا شارات تضعها الدول على أكتاف الرجال أما القيمة الحقيقية فتكتبها المواقف والفاضل كتب اسمه في موضع لا تمحوه السنوات.
سيذكره رفاق السلاح قائدا لم يتخل عن موقعه وسيذكره أهله إنسانا ظل يحمل قلبا أبيض رغم قسوة الحرب وسيذكره الوطن واحدا من أولئك الذين وقفوا في زمن كان الوقوف فيه بطولة خالصة.
أما نحن فسنظل نحكي عنك بفخر لأن الرجال الذين يشبهونك لا يغادرون المشهد حتى وإن ترجلوا عنه يظلون حاضرين في الذاكرة في الحكايات وفي وجدان وطن يعرف جيدا من الذين حموا أرضه حين تكالبت عليها النيران.
سلام عليك يا خالي يوم لبست الكاكي شرفا ويوم رابطت صبرا ويوم خرجت مرفوع الرأس نقي السيرة ممتلئا بالمجد.
عميقة في ميامين معاني الشجاعة
وراسخة في ذكر مكرماتكم
اعتدال أحمد الهادي