الحجز بالتتبع: المعضلة القانونية والمصرفية التي تهدد الثقة في النظام البنكي السوداني
وليد دليل خبير مصرفي

في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد، برزت على السطح ظواهر مصرفية وقانونية معقدة أثارت جدلاً واسعاً وولدت حالة من الإحباط والغموض لدى العملاء، والمحامين، بل وحتى بعض رجال القضاء. لعل أبرز هذه الظواهر ما يُعرف بـ “الحجز بالتتبع” أو “حجز الأموال بالتتبع”، وهي الممارسة التي ارتبطت بشكل وثيق بالتطبيقات المصرفية الإلكترونية، وعلى رأسها تطبيق “بنكك” التابع لبنك الخرطوم، نظراً للاعتماد شبه الكامل عليه في المعاملات اليومية خلال فترة الحرب.
ولإزالة اللبس المحيط بهذا المفهوم، لا بد من تفكيكه من ثلاثة أبعاد رئيسية: المصرفية، القانونية، والاقتصادية.
1. البُعد المصرفي: كيف يحدث “الحجز بالتتبع”؟
في الحالات الطبيعية، يصدر أمر الحجز من الجهات القضائية أو النيابة العامة متوجهاً إلى حساب محدد (اسم ورقم حساب متهم أو مدين) بمبلغ معين.
أما في حالة “الحجز بالتتبع”، فإن الأمر يختلف نتيجة لسرعة حركة الأموال عبر التطبيقات الذكية. تبدأ المشكلة عندما يتم الاحتيال على شخص ما، أو سرقة أمواله، أو تحويل أموال بطريقة غير مشروعة إلى الحساب (أ). يقوم صاحب الحساب (أ) فوراً بتحويل المبلغ إلى الحساب (ب)، ويقوم (ب) بتحويله إلى (ج)، وهكذا في سلسلة سريعة قد تشمل عشرات الحسابات خلال ساعات قليلة.
هنا يتدخل البنك – بناءً على توجيهات الشكوى الجنائية – بـ “تتبع مسار الأموال المنهوبة”. ونتيجة لذلك، يتم تجميد أو حجز كل الحسابات التي مرت بها هذه الأموال، أو حجز مبلغ يعادل القيمة المنهوبة في تلك الحسابات.
مربط الفرس ومكمن الخلل: المشكلة المصرفية تكمن في أن العديد من أصحاب الحسابات الوسيطة (مثل الحساب ج أو د) هم تجار عملة، أو تجار سلع، أو مواطنون حسن النية استلموا هذه الأموال مقابل خدمات أو بضائع حقيقية، دون أن يعلموا أن مصدرها الأول كان “مشبوهاً”. فيجد العميل “حسن النية” حسابه مجمداً بالكامل دون سابق إنذار.
2. البُعد القانوني: غياب النص الصريح وخلط المفاهيم
تكمن الأزمة القانونية التي تواجه المحامين والقضاة في أن القوانين المصرفية والجنائية التقليدية لم تُفصل بدقة “آلية التتبع الإلكتروني المتسلسل” في بيئة حرب تغيب فيها بعض آليات التحقق الفوري.
أمر حجز أم مال منهوب؟ القانون يمنح الحق في استرداد “المال المنهوب”، ولكن عندما يختلط المال المنهوب بأموال مشروعة داخل حساب عميل آخر، فإن حجز كامل الحساب يمثل انتهاكاً لحق الملكية الدستوري والقانوني للعميل حسن النية.
المسؤولية الجنائية مقابل المعاملة المدنية: يخلط بعض المحققين والقضاة بين “المتهم” الذي سرق المال، وبين “العميل” الذي استلم المال كطرف ثالث بطريقة تجارية مشروعة. قانوناً، لا يجوز معاقبة الطرف الثالث بحظر أمواله إلا إذا ثبت تواطؤه أو علمه بالجريمة (شراء مال مسروق مع العلم بذلك).
بطء الإجراءات: في ظروف الحرب، وتشتت المحاكم والنيابات، يصبح “فك الحجز” رحلة تعذيب قانونية تستغرق شهوراً لإثبات سلامة موقف العميل، مما يشكل عبئاً هائلاً على القضاء والمحامين الذين يجدون أنفسهم أمام قرارات حظر جماعية تصدرها النيابات دون فحص دقيق لكل حالة على حدة.
3. البُعد الاقتصادي: ضرب الثقة وتعميق القطاع غير الرسمي
إن الآثار الاقتصادية لظاهرة الحجز بالتتبع العشوائي أو التوسع فيه كارثية، وتفوق في ضررها الجريمة الأصلية:
اهتزاز الثقة في النظام المصرفي: أهم رأس مال للبنوك هو “الثقة”. عندما يشعر المواطن أو التاجر أن أمواله المودعة في البنك (أو تطبيق بنكك) معرضة للتجميد في أي لحظة لمجرد أنه باع بضاعة لشخص اتضح لاحقاً أن أمواله مشبوهة، سيفقد الثقة في البنك كلياً.
الهروب نحو “الكاش”: نتيجة للخوف من التجميد بالتتبع، بدأ الكثير من التجار والشركات يرفضون التعامل بالتطبيقات البنكية ويشترطون السداد بالنقد (الكاش). هذا الأمر يجهض جهود الدولة في “الشمول المالي” ويحرم البنوك من السيولة.
انتعاش الاقتصاد الخفي: هروب الأموال من البيئة الرقمية المنظمة إلى السوق السوداء والكاش يضعف قدرة الدولة على مراقبة حركة الاقتصاد، ويزيد من التضخم، ويصعب من عملية تمويل الاستيراد والخدمات الأساسية في زمن الحرب.
خارطة طريق لمعالجة الأزمة (التوصيات)
لخروج العمل المصرفي والقانوني من هذا النفق المظلم، يجب تبني المعالجات التالية فوراً:
الحجز الجزئي لا الكلي: يجب على بنك الخرطوم والبنوك الأخرى تفعيل آليات تتيح حجز المبلغ المشكوك فيه فقط داخل الحساب، وترك بقية أموال العميل حرة للحركة، حتى لا تتوقف حياة الناس التجارية والمعيشية.
منشور عاجل من بنك السودان المركزي: بالتعاون مع السلطة القضائية، يجب إصدار ضوابط صارمة تحدد متى وكيف يتم التتبع، وتمنع حظر حسابات الأطراف الثالثة إلا بعد تقديم بينة مبدئية على سوء النية.
تأسيس نيابات ومحاكم مصرفية إلكترونية سريعة: نظراً لظروف الحرب، يجب إيجاد دوائر قضائية ونيابية تعمل “عن بُعد” للنظر في تظلمات الحجز وفك تجميد الحسابات خلال 48 ساعة إذا ثبتت سلامة المعاملة التجارية.
تطوير أنظمة الامتثال (Compliance): على البنوك استخدام الذكاء الاصطناعي لرصد العمليات المشبوهة قبل حدوث التوالي في التحويلات، وليس بعد أن تنتشر الأموال في شرايين النظام المصرفي وتتضرر منها مئات الحسابات البريئة.
خاتمة:
إن “الحجز بالتتبع” أداة فرضتها الضرورة لمحاربة الجريمة واسترداد الحقوق، ولكن إذا استمرت ممارستها دون كوابح قانونية دقيقة ووعي مصرفي شامل، فإنها ستتحول من أداة لحماية الحقوق إلى أداة لتعطيل الاقتصاد وهدم ما تبقى من ثقة في القطاع المصرفي السوداني.