تحليل ورأي

مواقف وسوالف: ✍🏼خالد الضبياني

الثلاث بنات...حين يصبح "المصدر المجهول" بطلا وتدار الشائعة كأنها قرار

 

لم تعد الحكاية مجرد “توقعات بريئة” تُقال على هامش جلسة عابرة ولا حتى ثرثرة عادية يمكن تجاوزها بابتسامة بل تحولت إلى ما يشبه عرضًا يوميًا مكتمل الأركان له أبطاله ونبرته الخاصة وجمهوره الذي ينتظر “النشرة” بشغف. ثلاث بنات لا يشغلن منصبًا رسميًا ولا يُعرف لهن ارتباط مباشر بمراكز القرار، لكنهن يتحدثن بثقة تُربك حتى من بيده القرار نفسه، وكأن بينهن وبين دهاليز السلطة خيوطًا لا تُرى.لم يعد الحديث بصيغة الاحتمال ولا حتى التلميح، بل أصبح يقينًا يُلقى بلا تردد: “وصلتنا معلومة مؤكدة”… عبارة تُقال وكأنها صادرة عن جهة رسمية لا عن جلسة عابرة. هنا تحديدًا تبدأ المفارقة الساخرة فالشائعة تُقدَّم في هيئة تسريب والتخمين يُسوَّق كخبر حصري، وعبارة “مصدر خاص” تُستخدم كجواز مرور يمنح أي كلام صفة الجدية والهيبة.

لكن لو حاولنا الاقتراب قليلًا من جوهر هذه “المصادر”، سنجد أنها في الغالب لا تتجاوز كونها صناعة محلية خالصة. لا وثائق لا دلائل لا سياق منطقي، فقط رواية تُنسج بعناية ثم تُلقى بثقة عالية. فالثقة هنا ليست نتاج معرفة بل أداة لتعويض غيابها. وكلما زادت الجرأة في الطرح زاد انخداع البعض بصدق الرواية.

الأخطر من ذلك أن هذه الظاهرة لا تقف عند حدود الطرافة أو التسلية بل تمتد لتصنع حالة من البلبلة الحقيقية. فحين يُقال إن مسؤولًا سيُنقل يبدأ المحيطون به في قراءة الإشارات وحين يُشاع أن آخر سيُحال للمعاش تتغير طريقة التعامل معه وكأن القرار قد صدر فعلًا. وهكذا تصبح الشائعة ليست مجرد كلام بل عاملًا مؤثرًا في المزاج العام بل وفي بعض السلوكيات.ومع تكرار “نشرات الثلاثي” يتحول الأمر إلى ما يشبه الواقع الموازي دولة تُدار بقرارات رسمية في مكان ودولة أخرى تُدار بالتكهنات في أذهان الناس. والغريب أن هذه الدولة الثانية أحيانًا تكون أكثر حضورًا وتأثيرًا لأنها تُخاطب الفضول وتُغذي الرغبة في معرفة ما “يدور خلف الكواليس”، حتى وإن لم يكن هناك كواليس أصلًا.أما “المصدر” الذي يُلوَّح به في كل مرة فهو البطل الخفي في هذه المسرحية. مصدر لا اسم له ولا صفة ولا أثر لكنه حاضر دائمًا، يُستدعى كلما احتاجت الرواية إلى دعم. هو ليس شخصًا بقدر ما هو فكرة فكرة تُستخدم لسد فجوة الحقيقة ولإضفاء مسحة من المصداقية على كلام بلا أساس. ومع كثرة الاستخدام يتحول هذا “المصدر” إلى كيان شبه حقيقي في أذهان البعض رغم أنه لا وجود له خارج حدود الرواية نفسها.وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح : لماذا لا تُتخذ ضدهن إجراءات؟ أهو تساهل مع ظاهرة تُغذّي الفوضى؟ أم تقليل من أثر الشائعة حين تتكرر؟ أم لأن البعض ما زال يراها مجرد “كلام نسوان” لا يستحق الوقوف عنده رغم ما يخلّفه من أثر واضح في الوعي العام،ولو نظرنا للأمر من زاوية أوسع سنجد أن المشكلة ليست في الثلاث بنات وحدهن، بل في البيئة التي تسمح بانتشار مثل هذا الخطاب. فحين يغيب التحقق ويضعف النقد ويُستبدل الخبر بالشائعة يصبح من السهل لأي صوت واثق أن يملأ الفراغ. وهنا تتحول المسألة من مجرد ظاهرة عابرة إلى نمط متكرر يجد من يتلقاه ويعيد إنتاجه.في النهاية لسنا أمام تسريبات حقيقية بقدر ما نحن أمام صناعة متقنة للوهم. عرضٌ يومي تُعاد فيه نفس الحبكة : “وصلتنا معلومة”، “مصدر خاص”، “تغيير مرتقب”… ثم لا يحدث شيء، أو يحدث ما لا علاقة له بكل ما قيل. ومع ذلك تستمر الدورة ويستمر الجمهور وتستمر البطولة الثلاثية في أداء دورها بثقة لا تتزعزع.ربما لأن الشائعة حين تُقال بإتقان تصبح أكثر جاذبية من الحقيقة… وربما لأن “المصدر المجهول” أحيانًا يكون أصدق حضورًا في أذهان الناس من أي مصدر حقيقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى