عين على الواقع: اعتدال احمد الهادي تكتب:
مشاهدات من داخل الحرم...جنود الطمأنينة في رحاب المسجد الحرام


1/ في مشهدٍ إنساني يعكس جانبا من الجهود المبذولة في خدمة ضيوف الرحمن داخل المسجد الحرام أقدم أحد رجال الأمن على حمل معتمر من ذوي الإعاقة تحقيقًا لرغبته في رؤية الكعبة من أعلى تلك المشاهد الإنسانية لا تمر مرورا عابرا مشاهد بسيطة في ظاهره لكنها تكشف كيف تتحول الخدمة هنا إلى رحمة، والواجب إلى فعل إنساني يلامس القلب ففي المسجد الحرام لا تتلاقى الجموع فحسب بل تتلاقى الحكايات الإنسانية أيضا وجوه جاءت من أقاصي الأرض قلوب محملة بالدعاء خطوات تبحث عن طريقها نحو السكينة كل مرة أدخل فيها إلى المسجد الحرام أظن أن المشهد يكتمل بالطائفين حول الكعبة وبالمصلين الذين تتراص صفوفهم في خشوع وبالقلوب التي جاءت من أقاصي الأرض تحمل دعاءها بين يدي الله.
2/ مع كل زيارة للحرم أكتشف أن هناك جزءا آخر من هذا المشهد لا يلتفت إليه الكثيرون رجال يقفون في صمت، يراقبون الحركة وينظمون الخطى، ويجعلون هذا الزحام الهائل يبدو وكأنه يسير بنظام خفي انهم رجال امن الحرم في زحام القلوب قبل زحام الأقدام يقفون بهدوء يشبه الطمأنينة نفسها لا يرفعون أصواتهم الا لتوجيه او ارشاد لا يبحثون عن الأضواء لكن حضورهم الدائم ينسج حول الحرم شعورا عميقا بالأمان كأنهم جزء من هذا المشهد الروحي الكبير الحاج أو المعتمر الذي يخطو نحو الكعبة بقلب مثقل بالدعاء قد لا يلتفت كثيرا إلى أولئك الواقفين على أطراف المشهد لكنهم في الحقيقة يسهرون على راحته وسلامته، في كل خطوة عيونهم تراقب الطرقات وتنظم الحشود وتفتح المسارات حين يشتد الزحام تدل التائهين وتطمئن الخائفين ليس عملهم مجرد وظيفة أمنية بل خدمة لعباد الرحمن.
زيارتي لمكة احيانا تمد ليوم واحد لأداء العمرة فقط وأخرج دون أن ألتفت كثيرا لتفاصيل المكان لكن هذه المرة أدهشتني اشياء كل لحظة حملت معها درسا في الإنسانية في وسط ذلك الزحام لفت انتباهي رجال الأمن في المسجد الحرام وهم يجيبون على أسئلة الزوار بابتسامة هادئة وحينما يقف الزائر حائرا يسأل عن طريق أو مخرج أو مسار، تجد رجل الأمن لا يكتفي بالإشارة بيده بل ويأخذ بيده الحائرين حتى يصلوا إلى وجهتهم وربما يذهب معه مسافة كاملة حتى يوصله إلى حيث يريد و يخفف من خوفه وارتباكه أيضا كذلك مشاهد الاطفال التائهين عن أهاليهم، وهم يبكون في وسط الجموع يقترب منك رجل الأمن يسأل أين امه فتجيب تائه فيتولى المهمة عنك ويمسك بيده يمسح دمعه و يهدئه بكلمات هادئة يحمله على كتفه ويربت بيده، يقف معه حتى يعود شعوره بالأمان يخرج قطعة حلوى بسيطة او نقود، فترسمت على وجه الطفل ابتسامة تعيد له الطمأنينة وزميل له يذهب ليبلغ وذاك ينشر في المجموعات حتى يعثر على أهله في تلك اللحظة لم يكن الرجل مجرد حارس للنظام بل تجده أبا مؤقتا يجعل المكان أكثر رحمة وإنسانية ولا تقل روعة المشهد عن وقوفهم عند أطراف الصفوف أثناء الصلاة، يحرسون خشوع المصلين بصمت، ويضمنون أن يظل الحرم مأوى للسكينة رغم ازدحام الروحانيات والزوار.
3/ هي مشاهد قد تبدو صغيرة في ظاهرها لكنها في حقيقتها تعكس روح الخدمة التي يقوم عليها العمل في الحرمين الشريفين فخدمة ضيوف الرحمن ليست فقط في توسعة المباني أو تنظيم الحشود بل تتجسد في وجوه رجال يقفون صامتين يبذلون جهدا مضاعفا لتصبح رحلة الزائر رحلة طمأنينة وأمان لا يرفعون أصواتهم طلبا للشكر ولا يبحثون عن الأضواء لكن أثرهم حاضر في كل خطوة يخطوها معتمر مطمئن وفي كل صلاة يؤديها مصل دون أن يخشى ازدحاما أو ارتباكا في مكان تتجه إليه قلوب المسلمين من كل بقاع الأرض يكفي أن نقول: هنا يقف رجال يصنعون الطمأنينة بعملهم الصامت، ويحمون ليس النظام فقط بل شعور الملايين بالأمان والسكينة ففي هذا المكان الذي تتجه إليه قلوب المسلمين من كل أصقاع الأرض، يصبح الانضباط مسؤولية عظيمة وتصبح الرحمة جزءا من الواجب ما يثير الإعجاب حقا أن هذا الجهد يتم في أصعب الظروف زحام لا ينقطع، ساعات عمل طويلة حرارة الجو أحيانا، وضغط الحشود ومع ذلك تبقى تلك الابتسامة حاضرة، والكلمة اللطيفة جاهزة والإشارة الهادئة كفيلة بتنظيم آلاف البشر هؤلاء الرجال هم جنود الطمأنينة قد لا تكتب أسماؤهم في العناوين لكن أثرهم حاضر في كل لحظة يؤدي فيها معتمر أو حاج نسكه بسلام.
من هنا لا يسعنا الا ان نقول لهؤلاء الرجال: شكرا لأنكم تجعلون الرحلة إلى بيت الله أكثر طمأنينة وأكثر سكينة.