تحليل ورأي

عين على الواقع

اعتدال احمد الهادي تكتب:من المؤسسة للشعب... حكاية رجل لم يساوم

1/ في اللحظة التي خفت فيها ضوء الأمل في السودان برزت أسماء لم تكن مجرد مواقع وظيفية بل كانت تمثل طمأنينة للمواطن وملاذه، العميد طبيب طارق الهادي كجاب كان واحدا من تلك الأسماء التي ارتبطت في وجدان السودانيين بمعنى الأمان حين كانت الكلمة الصادقة تحدث فرقا وربما تنقذ حياة، لم يكن حضوره عابرا ولا دوره تقليديا استطاع وسط ظروف معقدة وحرب أنهكت البلاد أن يحافظ على خيط من الثقة بين المؤسسة العسكرية و المواطن، قدم نموذجا لمسؤول لم يساوم على ضميره ولم ينفصل عن معاناة شعبه، صموده في وجه الانتقادات وتماسكه في بيئة تضج بالخذلان جعلا منه رمزا لدى كثيرين ليس لأنه في موقع سلطة بل لأنه بدا قريبا من المواطنين معبرا عنهم ومؤمنا بقضيتهم وهذا ما يجعل أثره يتجاوز حدود المنصب ذاته.
٢/ لتقديرات ترها القيادة العليا للجيش ووفق الترتيبات الراتبة تأتي الإقالة كقرار إداري في سياق معقد لكنها لا تمحو ما كتب في ذاكرة المواطن فبعض الأسماء لا ترتبط بالكراسي بل بالمواقف ولا تقاس بمدة البقاء بل بعمق الأثر خروج طارق كجاب من المؤسسة العسكرية لا يعني نهاية دوره بل بداية مرحلة جديدة أكثر حرية يمكن أن يقدم فيها لوطنه من خارج القيود الرسمية وبصوت أكثر انطلاقا فالمواطن السوداني لا يحتاج إلى مسؤولين في مواقعهم، بل إلى أصوات صادقة وأشخاص يحملون هم الوطن بصدق سواء كانوا داخل المؤسسات أو خارجها فدكتور طارق لم يكن يوما مجرد منصب يمنح أو يسحب بل كان حالة من الصدق في زمن عز فيه الصادقون وإن كانت الإقالة أخرجته من المؤسسة العسكرية فإنها لم تخرجه من وجدان الشعب السوداني ولن تنتزع منه ذلك الحضور الذي صنعه بالمواقف لا بالرتب.
3/ فالإقالة و ان فهمت في سياقها الإداري، أو بررت باعتبارات اللحظة، الا ان ما يتجاوز القرار نفسه هو الأثر الذي يتركه الإنسان في الوجدان فليست كل النهايات انطفاء ولا كل مغادرة خسارة.
و التجربة تثبت أن بعض الأسماء تكسب حضورها من مواقفها لا من مواقعها، و القرب من المواطن لا تصنعه السلطة بقدر ما يصنعه الصدق ومن هذه الزاوية، فإن خروج طارق الهادي من المؤسسة لا يُقرأ فقط كإجراء بل كبداية لاحتمال مختلف دور يتشكل خارج القيود الرسمية ومساحة أوسع للتعبير والعمل و في السودان اليوم حيث تتقاطع التحديات وتتعاظم الحاجة إلى الثقة تبقى القيمة الحقيقية فيمن يختارون الانحياز للوطن دون شروط سواء كانوا داخل المؤسسات أو خارجها.
ومن هنا نقول للدكتور طارق الهادي مرحبا بك في رحاب الحياة المدنية حيث لا تقل المسؤولية عمقا ولا يقل العطاء أثرا فخروجك من البزة العسكرية ليس نهاية لدورك بل بداية لمرحلة أوسع وأكثر قربا من المواطنين فجودك بينهم يعد مكسبا حقيقيا بما يحمله من تجربة ومواقف مشهودة ونحن على ثقة بأن القادم من كجاب سيكون امتدادا لما عرف به من التزام وصدق وننتظر منه الكثير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى