
في أحلك اللحظات التي مرّ بها السودان حين كانت المطارات تُغلق والطرق تُقطع والخوف يخيّم على وجوه الناس كانت هناك جهات اختارت السلامة لنفسها وجهات أخرى اختارت الوطن.وكانت شركة تاركو من الذين اختاروا الوطن.لم تكن الرحلات إلى بورتسودان آنذاك مجرد رحلات تجارية تُحسب بالأرباح والخسائر بل كانت مغامرة حقيقية في سماء ملتهبة بالخطر. الطائرات تهبط في مطارٍ تُطارده المسيّرات والقلوب ترتجف خشية أن يتحول أي إقلاع إلى خبر عاجل أو فاجعة جديدة. ومع ذلك واصلت تاركو رحلاتها حاملةً السودانيين بين المنافي والمرافئ ومانحةً الناس شيئًا من الطمأنينة وسط الفوضى.في تلك الأيام الصعبة لم يكن المواطن السوداني يبحث عن الرفاهية بل عن نافذة نجاة وكانت تاركو واحدة من تلك النوافذ.قد تختلف الآراء اليوم حول بعض الإخفاقات أو التأخيرات أو المشكلات التشغيلية وهذا أمر طبيعي تواجهه كل المؤسسات خصوصًا في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان.نعم النقد حق مشروع والمحاسبة مطلوبة لكن من الإنصاف أيضًا ألا يتحول النقد إلى جلدٍ أعمى يتجاهل التاريخ والمواقف.الذاكرة الوطنية لا ينبغي أن تكون قصيرة إلى هذا الحد.تاركو لم تكن مجرد شركة طيران تنقل الركاب بل كانت في كثير من الأوقات شريانًا إنسانيًا واجتماعيًا. ساهمت في مبادرات خيرية ووقفت مع الناس في أوقات الشدة وحملت على أجنحتها أحلام المغتربين ودموع العائدين ولهفة الأسر المشتتة.ومن الظلم أن تُختزل كل تلك المواقف في خطأ عابر أو إخفاق مؤقت.نعم على الشركة أن تُراجع أداءها وأن تُحسن خدماتها وأن تستمع لصوت المسافرين الغاضبين فالمحبة الحقيقية لا تمنع النقد. لكن بالمقابل على الناس أيضًا أن يتذكروا أن المؤسسات الوطنية تُقوَّم وتُدعَم لا أن تُذبح عند أول تعثر.الأوطان لا تبنى بالكمال بل بالوفاء لمن وقفوا معها حين تراجع الجميع.
ستظل تاركو في ذاكرة كثير من السودانيين أكثر من مجرد ناقل جوي.ستظل تلك الطائرات التي شقت الخوف وهبطت في زمنٍ كان مجرد الهبوط فيه شجاعة.