
الخرطوم: يوسف محمد يوسف
في محاولة لإعادة ترميم النسيج الاجتماعي وتهيئة الأرضية اللازمة للتعافي الوطني، أعلن رئيس المجلس الأعلى للسلم المجتمعي النور أحمد النور انطلاق اللقاء التمهيدي لقادة الإدارة الأهلية وزعامات الطرق الصوفية ورموز المجتمع من الشباب والمرأة، لوضع تصور لميثاق العقد الاجتماعي الجديد ضمن خارطة طريق تبدأ بمؤتمرات إقليمية في الولايات الآمنة وتنتهي بمؤتمر عام جامع لأهل السودان.
وأكد النور أن المرحلة الراهنة تتطلب تجاوز البيانات السياسية إلى بناء ميثاق أخلاقي ومجتمعي يعيد صياغة العلاقة بين السودانيين، ويؤسس لتوحيد الجبهة الداخلية وتحصين الوحدة الوطنية ونبذ خطاب الكراهية الذي أسهم في تمزيق النسيج الاجتماعي، وترسيخ ثقافة قبول الآخر.
وقال خلال مخاطبته الاجتماع الجامع الذي انعقد بمقر المجلس إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من البيانات السياسية بقدر حاجته إلى ميثاق يجمع أبناءه حول أرضية مشتركة مشددا على أن العقد الاجتماعي الجديد ليس وثيقة نخبوية أو مشروع خاص بالمجلس وإنما دعوة مفتوحة لكل السودانيين للإسهام في صياغة مستقبل البلاد.
وأوضح أن دور المجلس يتجاوز إدارة الخلافات الآنية إلى تهيئة المناخ الاجتماعي وبناء بيئة مواتية للتعافي الوطني باعتبار أن التماسك المجتمعي يمثل الأرضية الصلبة التي ينطلق منها التخطيط للإعمار والبناء وتحقيق النهضة الاقتصادية المنشودة بعد الحرب وأضاف النور بلهجة حاسمة ان المجلس لا يتحدث عن مصالحة عابرة بل عن حوار سوداني ـ سوداني حقيقي يؤسس لمجتمع متماسك وقادر على مواجهة التحديات سواء تلك المرتبطة بالأوضاع الداخلية أو ما وصفه بمؤامرات الخارج.
وكشف عن ملامح خارطة طريق عملية تبدأ بتنظيم مؤتمرات إقليمية في الولايات الآمنة تمهيداً للوصول إلى مؤتمر عام جامع ترفع إليه مخرجات المشاورات وصولا إلى توصيات ملتقى السودان للعقد الاجتماعي الجديد.
وأشار إلى أن دعم القوات المسلحة السودانية بالمال والرجال سيكون في مقدمة التوصيات المنتظرة واصفاً الجيش بأنه «حامل القيمة والعصا التي يتكئ عليها الشعب السوداني» في معركة الوجود إلى جانب التأكيد على ضرورة توحيد الجبهة الداخلية باعتبارها شرط أساسي لتحقيق أي انتصار قادم.
واكد النور أن الميثاق المرتقب لا يحتكره المجلس ولا تنفرد بصياغته جهة بعينها، قائلا: «العقد الاجتماعي الجديد ليس ملكا للمجلس، بل هو ميثاق لكل من يؤمن بأن السودان لن يبنى إلا بأبنائه مجتمعين».
دوسة: السلم المجتمعي يبدأ بعودة الحياة إلى طبيعتها
من جانبه شدد وزير العدل الأسبق، مولانا محمد بشارة دوسة، على أن تحقيق السلم المجتمعي لا يمكن أن يتم بالشعارات أو عبر المؤتمرات المنعقدة داخل القاعات المكيفة وإنما يبدأ باستعادة الحياة اليومية وعودة المواطنين إلى أنشطتهم ومصادر رزقهم في بيئة يسودها الأمن والاستقرار.
وقال دوسة، في عبارة لخصت رؤيته لمفهوم السلم المجتمعي وتحولت إلى شعار للملتقى: «السلم المجتمعي بيجي لما المزارع يرجع لحواشته، والراعي يرجع لمرعاه، والتاجر يفتح دكانه وهو آمن مطمئن».
وأشار إلى أن الإدارة الأهلية تحملت عبئ ثقيل جراء الحرب التي فرقت بين الناس وأشعلت الفتن داخل المجتمعات بل امتدت آثارها إلى داخل الأسرة الواحدة حتى بات الجار يخشى جاره، في صورة تعكس حجم التصدع الذي أصاب العلاقات الاجتماعية.
ووجه دوسة انتقادات حادة إلى خطاب الكراهية المتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التي تدار من خارج السودان بواسطة «ناس قاعدة برة وتنفخ في النار»، داعيا إلى وضع حد لهذا الخطاب الذي قال إنه أسهم في تمزيق النسيج الاجتماعي وتأجيج الخلافات بين السودانيين.
العقد من تحت الشجرة.. المصالحة تبدأ من القرية والحلة
وشدد بشارة على ضرورة أن ينبع العقد الاجتماعي الجديد من القاعدة المجتمعية إلى أعلى، لا أن يفرض من أعلى إلى أسفل مؤكدا أن نجاحه يرتبط بقدرته على التعبير عن واقع الناس واحتياجاتهم، وبمشاركة المجتمعات المحلية في صياغة الحلول.
وأوضح أن البداية الحقيقية يجب أن تكون من القرى والفرق والأحياء، قائلاً: «لازم يبدأ من القرية من الفريق من الحلة، ما يجي من فوق لازم الناس تقعد في الواطة في ظل شجرة وتتصافى وتتعافى».
وفي ذات السياق أبدى دوسة تأييده لما طرحه ممثل الاتحاد العام لأهل النوبة أبو عنجة بشأن تجربته التي امتدت 28 عام في الولايات المتحدة الأمريكية، مشيراً إلى أن السوداني مهما طال اغترابه وابتعد عن وطنه، يظل مرتبطا بعاداته وتقاليده السمحة، ويعود إليها في نهاية المطاف.
وفي رسالة مباشرة بشأن موقفه من دعم القوات المسلحة أكد دوسة أن مساندة الجيش ليست موقف سياسي بقدر ما هي واجب وطني، قائلاً: «الجيش ده حقنا كلنا ما حق زول براه لما نقول ندعمه بالمال والرجال ده ما كلام سياسة ده واجب لأنه لو ما الجيش البلد دي كانت راحت».
وشدد دوسة على ضرورة ترجمة ميثاق التآخي والعقد الاجتماعي الجديد إلى خطوات عملية على الأرض، محذرا من أن يتحول إلى مجرد وثيقة مكتوبة تضاف إلى مواثيق سابقة لم تجد طريقها إلى التنفيذ و اردف قالا: «دايرين فعل على الأرض، دايرين مصالحات حقيقية، دايرين الناس ترجع بيوتها آمنة».