
عندما تبحر الدول في عواصف الازمات يصبح صمت المسؤولين حكمة وكلامهم محسوبا بميزان الذهب لأن المسؤول لا يتحدث بصفته الفردية بل بوزن الدولة وهيبتها ومؤسساتها و حين يتخلى حارس الخطاب الرسمي عن وقار المؤسسة ويرتدي عباءة الناشط الغاضب فإن الكلمات لا تعود مجرد تصريحات بل تتحول الى قذائف ترتد الى صدر الدولة نفسها ولهذا فإن أي خطاب يصدر من مسوؤل يجب أن يقاس بميزان الحكمة لا بميزان الغضب فحديث وزير الاعلام خالد الاعيسر لقناة الجزيرة الذي اثار ضجة وجدلا واسعا يضعنا اما تساؤل جوهري: هل تدار الدولة بمنطق القانون والعدالة ام بلغة التهديد و تصفية الحسابات
فخطابه الهجومي الحاد ضد من وصفهم بـ”الأقلام المأجورة” و”النائحة المستأجرة” وتوعده بمحاسبتهم لاحقا بعد انتهاء فترته الرسمية قد يتفهم الكثيرون حالة الغضب من حملات التشويه والابتزاز السياسي والإعلامي إلا أن السؤال الأهم يظل حاضرا: هل يجوز لمسؤول في موقع وزير إعلام وناطق رسمي أن يتحدث بهذه بلغة؟
لا أحد ينكر أن الساحة امتلأت خلال السنوات الأخيرة بخطابات الارتزاق السياسي بل ان بعض الأصوات باتت تغير مواقفها وفقا لحركة المال والنفوذ وهذه الظاهرة الخطيرة قد تضر بالدولة والمجتمع معا ولكن مواجهة هذا الانحدار الأخلاقي لا تكون بخطاب انفعالي يفتح أبواب التصعيد وإنما عبر القانون والشفافية والمؤسسات فالإعيسر ليس ناشطا سياسيا في منصة إلكترونية ولا قائد معركة يخوض اشتباك شخصي مع خصومه هو مسؤول دولة يفترض أن يكون حارسا لصورتها ومدافعا عن الاتزان المؤسسي حتى في أشد لحظات الاستفزاز.
صحيح أن الوطن يحتاج إلى رجال مواقف لا رجال مصالح وأن التضحية من أجل البلاد لا تشترى بالأموال لكن الدولة أيضا تحتاج إلى خطاب مسؤول لا يدار بمنطق الغضب فالمعركة الحقيقية ليست ضد الصحفي أو الناشط أو المعارض بل ضد الفساد والانهيار والانقسام.
ففي لحظات التوتر الكبرى يصبح ضبط اللغة جزء من حماية الوطن لأن الدول لا تبنى بالصراخ ولا تستقر بالتهديد بل بالعدالة والثقة واحترام المؤسسات.