عودة الدولة إلى سوق المحروقات: جراحة اقتصادية لإنقاذ الجنيه وضبط الفوضى
وليد دليل خبير مصرفي

شهدت قاعة مجلس الوزراء بالخرطوم، برئاسة البروفيسور كامل إدريس، صدور قرار يمكن وصفه بـ “الاستراتيجي والجريء”، يقضي بدخول الحكومة كلاعب أساسي ومستورد للمشتقات البترولية. هذا التحول يعكس إدراكاً حكومياً متأخراً بأن تحرير سوق السلع الاستراتيجية بنسبة 100% في ظل اقتصاد يعاني من صدمات هيكلية، لم يقد سوى إلى مزيد من الانفلات في أسعار الصرف والتضخم.
تأتي هذه الخطوة، التي أعلنها وزير الثقافة والإعلام والسياحة خالد الإعيسر، في توقيت حرج. فالوقود في السودان ليس مجرد سلعة استهلاكية، بل هو المحرك الأساسي للموسم الزراعي وعصب قطاع النقل. ومن هنا، فإن الجدوى الاقتصادية للقرار تتجاوز فكرة “التجارة” إلى مفهوم “التحوط والاستقرار”.
تجفيف منابع مضاربات الدولار
في السابق، كان لجوء شركات الاستيراد الخاصة إلى السوق الموازية لشراء ملايين الدولارات لتمويل شحنات الوقود يمثل “مضخة هدم” لقيمة الجنيه السوداني. مع دخول الحكومة كجهة استيراد عبر قنوات بنك السودان المركزي ووزارتي المالية والطاقة، سيتحول هذا الطلب العشوائي إلى طلب منظم ومخطط له. هذه الخطوة ستحرم المضاربين في سوق العملة من أكبر كتلة نقدية كانوا يقتاتون عليها، مما يسهم بفعالية في كبح جماح سعر الصرف.
تحديات التنفيذ وعقبة البيروقراطية
رغم الإيجابيات النظرية الكبيرة للقرار، إلا أن نجاحه على أرض الواقع مرهون بمدى قدرة الجهات التي كلفها المجلس (المالية، الطاقة، البنك المركزي، والأمن الاقتصادي) على إدارته بكفاءة. الاقتصاد السوداني عانى تاريخياً من أزمات وفرة عندما تتولى الدولة الاستيراد الاحتكاري، بسبب البيروقراطية أو تأخر سلاسل الإمداد.
لذلك، فإن المحك الحقيقي للحكومة هو إثبات قدرتها على توفير تدفقات مستمرة من المواد البترولية دون انقطاع، وضمان ألا يتحول “ضبط السوق” إلى “ندرة في السوق”.
بسط هيبة الدولة الاقتصادية
توجيه مجلس الوزراء للأجهزة الأمنية باتخاذ ما يلزم لحماية الاقتصاد الوطني، يبعث برسالة قوية ومفادها أن الدولة قررت استخدام أدواتها الخشنة لوقف خطوط التهريب والتلاعب بالسلع الاستراتيجية. فالوقود المدعوم أو المستورد رسمياً كان يهرب جزء منه لخارج الحدود، والسيطرة الحكومية الكاملة على المنبع (الموانئ والمستودعات الرئيسية) سيسهل من عملية الرقابة والتتبع.
إن قرار مجلس الوزراء السوداني يمثل تراجعاً واقعياً عن سياسات التحرير المطلق التي ثبت عدم ملاءمتها للمرحلة الحالية. الاستيراد الحكومي للمشتقات البترولية هو “دواء مر” استوجبته حالة السيولة الاقتصادية. إذا نجحت الحكومة في تأمين خطوط التمويل وإدارة التوزيع بشفافية، فإن هذا القرار سيكون حجر الزاوية في استقرار العملة الوطنية وخفض كلفة المعيشة. أما إذا تعثرت الإمدادات، فإن الأسواق ستواجه تحدي الندرة، وهو ما لا تحتمله المرحلة الحالية. الأيام القادمة هي ما سيحكم على نجاح هذه الجراحة الاقتصادية.