
في مشهد تتراكم فيه الأزمات وتضيق فيه هوامش الأمل، جاء إعلان بنك السودان المركزي عن اعتماد شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية “EBS” مكتباً معتمداً لشبكة “سويفت” العالمية ليحمل دلالة تتجاوز بكثير حدود الخبر المؤسسي الاعتيادي. فالسودان الذي يعيش منذ أكثر من عامين تحت وطأة حرب مدمرة وعقوبات دولية متراكمة، يقف اليوم على عتبة انفتاح حقيقي على منظومة المدفوعات المالية الدولية.
لفهم حجم هذا الحدث، لا بد من استيعاب طبيعة “سويفت” ذاتها. فهي ليست مجرد قناة تقنية لتحويل الأموال، بل هي المرجعية التي تبني عليها البنوك المراسلة حول العالم قرار الثقة أو عدمه في أي نظير مالي. والانتساب إليها بصفة مكتب خدمة معتمد يعني أن EBS ستغدو الجسر الموثوق الذي يربط البنوك السودانية بهذه المنظومة، خاصةً تلك التي تعجز منفردةً عن الوصول إليها بسبب تكاليف الاشتراك أو متطلبات الامتثال التنظيمي أو ضعف البنية التقنية في ظروف الحرب.
وتكتسب هذه الخطوة ثقلاً إضافياً حين نضعها في سياقها الإقليمي؛ إذ لا تتجاوز الشركات الحاملة لهذا الاعتماد في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا مجتمعةً خمس شركات فقط، يُضاف إليها الآن اسم سوداني في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ القطاع المالي في البلاد. وهذا لا يعني فقط أن EBS نالت اعترافاً مؤسسياً دولياً رفيع المستوى، بل يعني أن السودان بات يمتلك داخل حدوده كياناً قادراً على تقديم خدمات المقاصة والتسوية الدولية وإدارة الرسائل المالية العابرة للحدود وفق المعايير العالمية المعتمدة، وهي خدمات ظلت شحيحة أو معلقة في ظل انسحاب كثير من البنوك المراسلة الأجنبية من السوق السودانية خلال السنوات الأخيرة.
بيد أن الاحتفاء بهذا الإنجاز لا ينبغي أن يحجب التساؤل الأهم: هل سيتحول هذا الاعتماد إلى قيمة اقتصادية مضافة وملموسة؟ الإجابة ليست في الصفة الرسمية، بل في مآلاتها العملية. نجاح EBS في استقطاب البنوك السودانية للعمل عبرها، وقدرتها على إقناع البنوك المراسلة الدولية باستئناف علاقاتها مع نظيراتها السودانية، هو الاختبار الحقيقي الذي سيحدد ما إذا كانت هذه “الخطوة الاستراتيجية الكبرى” التي وصفها بنك السودان المركزي ستبقى عنواناً فخرياً، أم ستتحول إلى محرك فعلي لإعادة دمج الاقتصاد السوداني في الدورة المالية الدولية.