
لم يمضِ على قرار مجلس الوزراء الانتقالي بحظر استيراد أكثر من أربعين سلعة وصفها بالكمالية وغير الضرورية وقتٌ طويل، حتى عادت الحكومة لتجمّد تطبيق القرار، في خطوة أفرزت جدلاً واسعاً بين المؤيدين والمعترضين. غير أن المتأمل في المشهد بعيون اقتصادية يدرك أن هذا التراجع لم يكن ضعفاً في الموقف، بل كان قراءةً واعية لتداعيات لم يُحسب حسابها جيداً حين صيغ القرار الأصلي.
كان الهدف المُعلن من الحظر واضحاً: الحد من تدهور سعر الصرف الذي تجاوز في السوق الموازي حاجز الأربعة آلاف وما يزيد على مائة جنيه للدولار، فيما تفاوتت أسعار البنوك بين ثلاثة آلاف وثلاثمائة وخمسين جنيهاً وثلاثة آلاف وتسعمائة جنيه. ولا شك أن ترشيد استخدام النقد الأجنبي هدف مشروع ومُلحّ في ظل شُح الموارد وتوسع الفجوة بين العرض والطلب على العملة الصعبة. إلا أن الأمر الذي غاب عن القرار أو أُغفل هو أن قائمة السلع المحظورة ضمّت، إلى جانب الكماليات الحقيقية كالزهور الاصطناعية والشعر المستعار والألعاب، سلعاً تُعدّ في سياقنا الاقتصادي الراهن من مقومات الحياة اليومية؛ فالأسمنت وألواح الزنك مواد بناء لا ترف، ومنتجات الألبان والصابون ليست هوى بل حاجة، وكذلك مستحضرات التجميل التي تمثل نشاطاً تجارياً يعيش منه آلاف الباعة والمستوردين الصغار.
حين بدأت آثار القرار تتكشّف على أرض الواقع، ورصدت الجهات المعنية حالة القلق في الأسواق وبدايات الارتباك في سلاسل الإمداد، كان التجميد خياراً أقرب إلى الرشد منه إلى التردد. إن مراجعة القرارات الاقتصادية قبل أن تتحول تداعياتها إلى أزمات مكتملة الأركان ليست نكوصاً عن الهدف، بل هي من أبرز علامات الإدارة الاقتصادية المرنة التي تُفرّق بين ثبات التوجه وجمود الأداة. ولعل الإشادة الواسعة التي أبدتها القطاعات التجارية والمواطنون بهذا التراجع لا تعني رفض تنظيم الاستيراد من حيث المبدأ، بل تكشف في جوهرها عن أن المشكلة لم تكن في الغاية، وإنما في الصياغة والتصنيف.
والحقيقة التي يُقرّها المتخصصون هي أن حظر استيراد سلع بعينها لن يُفضي وحده إلى استقرار سعر الصرف طالما ظلت الحرب مشتعلة، لأن الأسلحة والعتاد العسكري تتصدر قائمة الواردات فعلياً، وهو ما يستنزف النقد الأجنبي بمعدلات لا تقارن بما توفره قائمة البسكويت والعطور. من هنا، فإن الرهان الحقيقي لاستقرار الجنيه لا يكمن في تضييق الاستيراد التجاري فحسب، بل في وقف نزيف الإنفاق الأمني، وتوسيع قاعدة المصادر الدولارية عبر تشجيع التصدير وتحويلات المغتربين وضبط منافذ تهريب الذهب.
إن الخطوة الأجدى التي ينبغي أن يُرافق بها مجلس الوزراء أي قرار مستقبلي في هذا الملف هي إطلاق خطط واضحة وقابلة للقياس لتشجيع الإنتاج المحلي وتحسين مناخ الاستثمار، إذ لا معنى لحظر استيراد سلعة ما لم يكن ثمة بديل محلي جاهز أو في طور النضج. وإلى أن تُرسى تلك المنظومة، يبقى التجميد الحالي خطوة في الاتجاه الصحيح، تستحق أن تُبنى عليها مراجعة شاملة لمنهجية صياغة القرار الاقتصادي في السودان.