حوارات

حوار2\2 أحمد هارون: لا نريد اقتصادا يعتمد على الذهب وحده… وهذه خريطة معادن السودان القادمة

حوار: يوسف حمد النيل

من ملح اليود إلى اليورانيوم ومن كنوز البحر الأحمر إلى معادن الطاقة النظيفة يطرح المدير العام للهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية المستشار الجيولوجي أحمد هارون موسى، رؤية متكاملة لمستقبل التعدين في السودان تقوم على تنويع الاستثمار وعدم الاكتفاء بالذهب، وتوطين الصناعات التعدينية، واستغلال الموارد وفق أسس علمية تراعي البيئة والتنمية المستدامة وفي هذا الجزء من الحوار يتحدث عن أبرز المشروعات الاستراتيجية التي تنفذها الهيئة والفرص الواعدة التي يزخر بها السودان في قطاع المعادن، والتحديات التي تواجه الصناعة وعلى رأسها التعدين التقليدي غير المنظم فالى مضابط الحوار.

*حدثنا عن مشروع الملح اليود في البحر الأحمر.

يعد مشروع إنتاج الملح اليود من أهم المشروعات التي تعمل عليها الهيئة حالياً.
اخترنا هذا المشروع لأنه يرتبط بصحة المواطن، فاليود عنصر أساسي للوقاية من الأمراض الناتجة عن نقصه، كما يحد من التشوهات الخلقية لدى حديثي الولادة، ولذلك أردنا أن نسهم في توفير منتج صحي وبأسعار مناسبة.
وقد قطعنا شوطاً كبيراً في تنفيذ المشروع، واستوردنا من إسبانيا مصنعاً بطاقة إنتاجية تبلغ 10 أطنان في الساعة.
ولن يقتصر إنتاج المصنع على الملح اليود فقط، بل سيشمل أيضاً الملح الخشن، وملح الدباغة، وأنواعاً أخرى من الأملاح الصناعية التي يحتاجها السوق المحلي.
ويمتلك السودان ساحلاً على البحر الأحمر يمتد لنحو 800 كيلومتر، ومع ذلك ما زلنا نستورد كميات من الملح من الخارج بملايين الدولارات، رغم أن هذه الثروة متاحة محلياً ويمكن استغلالها بصورة أفضل، بل وتصدير الفائض إلى الدول التي لا تمتلك سواحل بحرية.

*وماذا عن مشروع إنتاج طوب الحجر الرملي بولاية القضارف؟

أثناء دراساتنا للولايات لاحظنا أن ولاية القضارف تعتمد بصورة كبيرة على مواد بناء محلية وموسمية، بحكم طبيعتها الزراعية والرعوية.
ومن هنا جاءت فكرة تصنيع الطوب البلوك من الحجر الرملي (Sandstone)، بعد أن أجرينا الدراسات الجيولوجية والاقتصادية اللازمة على موقع يبعد نحو 30 إلى 35 كيلومتراً من مدينة القضارف في اتجاه المتمة.
وأثبتت نتائج التحاليل ودراسة الجدوى أن المشروع قابل للتنفيذ اقتصادياً، ولم يتبق سوى استكمال بعض المعدات لبدء الإنتاج، بما يسهم في توفير مواد بناء محلية ودعم التنمية بالولاية.

*وماذا عن مشروع الرخام في الولاية الشمالية؟

أجرينا الدراسات الفنية والاقتصادية الخاصة بالمشروع، وقطعنا مراحل متقدمة في التنفيذ.
ويستهدف المشروع الاستفادة من الرخام في أكثر من مجال، فهناك إنتاج الرخام المستخدم في أعمال التشطيبات والديكور، كما يمكن استخدامه في صناعة الأسمنت، إلى جانب الاستفادة من مخلفات الإنتاج في تصنيع كربونات الكالسيوم، التي تدخل في صناعات متعددة، منها الأعلاف وغيرها من الصناعات التحويلية.

*هل تعملون أيضاً على مشروعات مرتبطة بالطاقة النظيفة؟

نعم، لدينا عدد من المشروعات في هذا المجال، منها مشروعات الجرافيت والرصاص، حيث أجرينا الدراسات اللازمة، وبدأت هذه المشروعات تدخل مراحلها النهائية.
كما نعمل على استثمار الرمال البيضاء، التي تعد من أهم الخامات المعدنية المستخدمة في العديد من الصناعات، خاصة الصناعات المرتبطة بالطاقة والتقنيات الحديثة.
وبعد تحرير بعض المناطق، أصبح بالإمكان استئناف العمل في مواقع تحتوي على أجود أنواع الرمال البيضاء، خاصة في شمال كردفان.

*هل تسعى الهيئة إلى تنويع الاستثمارات المعدنية؟
بالتأكيد.

نحن لا نريد أن يظل الاستثمار في السودان معتمداً على الذهب وحده، رغم أهميته الكبيرة للاقتصاد الوطني.
الثروات المعدنية موارد ناضبة، ولذلك لابد من تنويع الاستثمارات، حتى لا يصبح الاقتصاد رهين معدن واحد.
فقد يكون الذهب اليوم هو المعدن الاستراتيجي الأول، لكن بعد سنوات قد تصبح الأولوية لمعادن أخرى ترتبط بالتكنولوجيا أو الطاقة أو الصناعات الحديثة.
ولهذا نعمل على إعداد خارطة استثمارية تشمل مختلف أنواع المعادن، حتى تكون المشروعات جاهزة متى ما أصبحت تلك المعادن مطلوبة عالمياً.

*ما المعادن التي تركزون عليها في المرحلة المقبلة؟

نعمل على جميع المعادن، لكن وفق أولويات واضحة.
في المقدمة تأتي المعادن الثمينة مثل الذهب والألماس، ثم معادن الطاقة، مثل النحاس والليثيوم، لما لها من أهمية متزايدة في صناعة البطاريات وتقنيات الطاقة النظيفة.
كما نهتم بالمعادن المشعة، وعلى رأسها اليورانيوم، الذي يمثل مادة خام أساسية في إنتاج الطاقة النووية السلمية، إذا ما توفرت المشروعات المرتبطة بها مستقبلاً.

*هل يمتلك السودان احتياطيات من اليورانيوم؟

نعم، توجد مؤشرات ووجودات لليورانيوم في عدد من مناطق السودان، منها جبال النوبة، وأجزاء من غرب السودان، إضافة إلى منطقة البطانة.
لكن الاستفادة من هذه الموارد تتطلب المزيد من الدراسات والاستكشافات العلمية، حتى تتحدد الاحتياطيات بصورة دقيقة، وتوضع الخطط المناسبة لاستغلالها وفق الضوابط والمعايير الدولية.
ولا ينبغي النظر إلى الحديث عن اليورانيوم باعتباره أمراً سرياً، لأن المعلومات الجيولوجية الأساسية عن السودان أصبحت معروفة لدى كثير من المؤسسات العلمية العالمية، نتيجة الدراسات والمشروعات التي نفذتها جهات ألمانية وروسية وصينية وفرنسية وبريطانية وغيرها داخل السودان على مدى عقود.
أشرتم إلى وجود ثروات كبيرة في البحر الأحمر.. ماذا تمثل هذه الموارد بالنسبة للسودان؟
يمتلك السودان واحداً من أغنى الأقاليم الجيولوجية في المنطقة، كما يتميز بتنوع جيولوجي كبير انعكس بصورة مباشرة على تنوع موارده المعدنية.
ويقع السودان ضمن الدرع العربي النوبي، وهو من أشهر الأقاليم الجيولوجية في العالم. فالجزء الواقع داخل السودان يعرف بالدرع النوبي، بينما يمتد الجزء الآخر داخل المملكة العربية السعودية ويعرف بالدرع العربي.
وهذا الإقليم غني بمختلف أنواع المعادن، كما أن العمليات الطبيعية، مثل التعرية وجريان المياه عبر ملايين السنين، ساهمت في نقل كثير من المعادن إلى البحر الأحمر، ولذلك فإن معظم المعادن الموجودة في اليابسة توجد أيضاً داخل قاع البحر الأحمر.
ولهذا نتحدث دائماً عن كنوز البحر الأحمر، التي تشمل الذهب والحديد والتيتانيوم ومعادن أخرى عديدة، وما زالت تحتاج إلى مزيد من الدراسات والاستثمار.

*هل توجد مشروعات مشتركة مع المملكة العربية السعودية في هذا المجال؟

نعم، هناك مشروع قديم ومهم يعرف باسم مشروع كنوز البحر الأحمر، وهو مشروع سوداني ـ سعودي مشترك يعود إلى عام 1974، وجرى توقيع اتفاقية للإنتاج بين الجانبين.
لكن المشروع تأثر خلال السنوات الماضية بعدد من الظروف السياسية والأوضاع التي مرت بها المنطقة، ولذلك لم يتم استغلاله بالصورة المأمولة.
ونحن ننظر إلى هذا المشروع باعتباره مشروعاً استراتيجياً، ونتطلع إلى إعادة تنشيطه بالتعاون مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية، لما يمكن أن يحققه من فوائد كبيرة للبلدين.

*ما المناطق الأكثر غنى بالمعادن في السودان؟

إذا تحدثنا عن التنوع المعدني، فإن ولاية البحر الأحمر تأتي في مقدمة المناطق الواعدة.
كما تعد ولاية نهر النيل من أهم المناطق الغنية بالمعادن، تليها الولاية الشمالية.
أما جبال النوبة فهي من أغنى المناطق المعدنية في السودان، وربما تحتل المرتبة الأولى من الناحية الجيولوجية، لكن الظروف الأمنية حالت دون تنفيذ دراسات واستكشافات شاملة فيها، رغم وجود مؤشرات على احتوائها الذهب واليورانيوم ومعادن أخرى عديدة.
كذلك توجد موارد مهمة في ولاية النيل الأزرق، خاصة الذهب والكروم، إلا أن الظروف الأمنية وعدم الاستقرار أثرا لفترات طويلة على عمليات الاستكشاف والاستثمار.

*ماذا عن معدن الكروم في السودان؟

يعد الكروم من المعادن المهمة، وبدأ استغلاله في السودان منذ سنوات طويلة عبر مشروعات صينية.
لكن حتى الآن ما يزال معظم الإنتاج يقتصر على تركيز الخام وتصديره، دون الوصول إلى مراحل التصنيع النهائي وإضافة القيمة المضافة داخل السودان.
ونحن في وزارة المعادن نعمل على تغيير هذا الواقع، بحيث لا يقتصر النشاط على تصدير الخام، وإنما يتجه إلى التصنيع المحلي والاستفادة القصوى من الموارد المعدنية.
كما أن أحد الباحثين العائدين من روسيا أنجز مشروعاً علمياً متخصصاً حول الكروم في ولاية البحر الأحمر، ونتوقع أن يسهم هذا البحث في تطوير استغلال هذا المعدن مستقبلاً.

*كيف أثرت الحرب على شركات الامتياز والاستكشاف؟
ا
لحرب أثرت بصورة كبيرة على جميع الشركات العاملة في قطاع التعدين.
يوجد في السودان نحو 165 شركة امتياز، بعضها منتج وبعضها لا يزال في مرحلة الاستكشاف، وقد واجهت جميعها تحديات كبيرة بسبب الحرب.
الشركات الوطنية فقدت مصادر تمويلها، لأن كثيراً من المستثمرين كانوا يعتمدون في تمويل أنشطة التعدين على أعمال أخرى توقفت بسبب الحرب، مثل المصانع والمشروعات التجارية.
أما الشركات الأجنبية فقد واجهت هي الأخرى تحديات كبيرة، لكن عدداً منها واصل العمل رغم الظروف.
ولهذا حرصنا على تقديم كل أشكال الدعم الفني والإداري للمستثمرين، وتذليل الإجراءات، لأننا نعتبر المستثمر شريكاً أساسياً في تطوير القطاع.

*كيف تقيمون تجربة المسؤولية المجتمعية في قطاع التعدين؟

أعتقد أنها من أكثر التجارب نجاحاً.
هناك تعاون كبير من المجتمعات المحلية مع قطاع التعدين، كما أن الولايات والمحليات أصبحت أكثر اقتناعاً بأهمية المسؤولية المجتمعية التي تنفذها شركات التعدين.
ونتمنى أن تتوسع هذه التجربة لتشمل جميع ولايات السودان بعد انتهاء الحرب، لأن البلاد تحتاج إلى مساهمة كل القطاعات الاقتصادية في مجالات التعليم والصحة والخدمات الأساسية.
فالدولة وحدها لا تستطيع تحمل كل أعباء التنمية، ولذلك ينبغي أن تشارك قطاعات التعدين والزراعة والثروة الحيوانية والبترول في دعم المجتمعات المحلية.

*كيف انعكست الحرب على العاملين في قطاع المعادن؟

الحرب تركت آثاراً عميقة على الجميع.
فلا يكاد يوجد منزل في السودان إلا ولامسته آثار الحرب بصورة أو بأخرى.
وفي قطاع المعادن فقدنا زملاء استشهدوا، وآخرين فقدوا منازلهم وممتلكاتهم، كما فقدت المؤسسات مقارها وأصولها.
لكن رغم هذه التضحيات، واصل العاملون أداء واجبهم، وحرصوا على استمرار العمل وخدمة البلاد.
ما أبرز التحديات التي تواجه قطاع التعدين حالياً؟
من أكبر التحديات التي نواجهها التعدين التقليدي، ليس لأننا ضده، وإنما لأنه إذا تم بصورة غير منظمة فإنه يهدر كثيراً من الموارد المعدنية، ويطمس المعالم الجيولوجية، ويؤثر على أعمال الاستكشاف العلمي.
المعدن التقليدي يبحث غالباً عن الذهب فقط، بينما توجد معادن أخرى مصاحبة لا يتم الاستفادة منها، وهو ما يعني فقدان موارد اقتصادية مهمة.
لذلك نحن لا ندعو إلى محاربة التعدين التقليدي، وإنما إلى تنظيمه، وتحويله تدريجياً إلى جمعيات أو كيانات تعدين صغيرة تخضع للرقابة والإشراف، بما يحقق مصلحة المعدنين والدولة في الوقت نفسه.

*وما خطورة استخدام الآليات الثقيلة في التعدين التقليدي؟

في السابق كان التعدين التقليدي يعتمد على أدوات بسيطة، وكان تأثيره محدوداً.
أما اليوم فقد أصبحت بعض العمليات تستخدم حفارات وآليات ثقيلة، وهو ما يتجاوز مفهوم التعدين التقليدي، ويؤدي إلى استنزاف الموارد بصورة عشوائية، والإضرار بالبيئة، وطمس المعالم الجيولوجية، كما قد يسهم في زيادة عمليات تهريب الذهب.
ولهذا فإن تنظيم هذا النشاط أصبح ضرورة للحفاظ على الثروة المعدنية وضمان استدامتها.

*هل تلقيتم دعماً من منظمات أو مؤسسات دولية؟

نعم، تلقينا دعماً من عدد من الجهات الدولية، خاصة في مجال التدريب وبناء القدرات.
كما قدمت مؤسسات جيولوجية نظيرة دعماً فنياً مهماً، تمثل في توفير معلومات وبيانات جيولوجية فقدناها خلال الحرب، دون مقابل، رغم أن الحصول عليها كان سيكلف الدولة ملايين الدولارات.
إضافة إلى ذلك، فإن استمرار بعض الشركات الأجنبية في الاستثمار داخل السودان خلال فترة الحرب يمثل في حد ذاته دعماً مهماً للقطاع.

*أثيرت تساؤلات حول التعدين في المناطق الزراعية مثل منطقة القدمبلية.. كيف تنظرون إلى
ذلك؟

في الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية نعتمد على أسس علمية في تحديد استخدامات الأراضي.
فالأراضي تصنف إلى زراعية، ورعوية، وتعدينية، وغيرها، وعندما تكتشف ثروة معدنية في منطقة زراعية تجرى مفاضلة علمية بين جدوى استمرار النشاط الزراعي والعائد المتوقع من استغلال الثروة المعدنية.
وفي جميع الأحوال، لا يسمح بأي نشاط تعديني إلا بعد إعداد دراسة الأثر البيئي، التي تحدد حالة المنطقة قبل بدء التعدين، بما يشمل التربة، والنباتات، والحياة البرية، والموارد الطبيعية.

*وماذا يحدث بعد انتهاء عمليات التعدين؟

هناك ما يعرف ببرامج إعادة التأهيل البيئي.
فبعد انتهاء التعدين تتم إعادة تشكيل الأرض، وإرجاع التربة إلى مواقعها، وإعادة الغطاء النباتي، والعمل على استعادة البيئة إلى وضع قريب من حالتها الطبيعية.
وقبل بدء أي مشروع يتم إعداد دراسة مرجعية (Baseline)، توثق كل مكونات البيئة في المنطقة حتى يمكن إعادة تأهيلها بعد انتهاء النشاط التعديني.
وهذه من الممارسات العالمية المعروفة في التعدين الحديث، وهي جزء أساسي من مفهوم التعدين المستدام.
كيف ترون مستقبل قطاع التعدين في السودان؟
أنا متفائل جداً.
بعد اكتمال مشروع المسح الجيولوجي الشامل سيكون لدى السودان خريطة متكاملة للموارد المعدنية واستخدامات الأراضي، وستفتح الباب أمام استثمارات كبيرة في مختلف المعادن، وليس الذهب فقط.
وأعتقد أن قطاع التعدين قادر على تعويض جزء كبير من الفجوة التي خلفها فقدان عائدات البترول، شريطة أن يتم استغلال الموارد وفق أسس علمية، وأن يكون التعدين مستداماً ويحافظ على البيئة.
كما أن الهيئة ستواصل تشجيع الاستثمار المنظم، لأنه يحقق عائداً أكبر للدولة والمجتمعات المحلية، ويحافظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.

*كلمة أخيرة؟

أتوجه بالشكر لوسائل الإعلام، لأنها شريك أساسي في بناء الوعي الوطني ونقل الحقائق إلى المواطنين.
لقد لعب الإعلام السوداني دوراً مهماً خلال هذه المرحلة الصعبة، وأسهم في رفع الروح المعنوية، تماماً كما قام المقاتلون بواجبهم في ميادين القتال.
وأتمنى أن يواصل الإعلام رسالته الوطنية، وأن يظل القلم سنداً للحقيقة وخدمة الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى