وداعا ايقونة التراث الشعبي .. كوكب غرب السودان
بقلم وزير التعليم والتربية الوطنية د. التهامي الزين حجر

بقلم وزير التعليم والتربية الوطنية د. التهامي الزين حجر
الموت حق، و حقيقة كونية لا مفر منها و نهاية حتمية للحياة الدنيا، ومرحلة انتقال الإنسان إلى الآخرة. و على الرغم من حتميته، فإنه مؤلم وصعب، خاصة لحظات فراق من نعزهم، و في الوقت الذي تعيش فيه البلاد مأساة حرب و نزوح و تشرد يودع السودانيون مبدع كردفان الثاني بعد موسى أبا ومن الكوكبة الأولى من مطربيها الأفذاذ و احد أبرز أعمدة الغناء السوداني الباحث الفذ في مجال التراث والموسيقى و التعليم الموسيقار د.عبد القادر سالم الذي تبوأ مكانة باذخة في دنيا الغناء والموسيقى في السودان، على المستويات القطرية والإقليمية والعالمية حيث يأتي رحيله في وقت تعيش كردفان التي غنى لها ومنها، واحدةً من أقسى فصولها الإنسانية تاركا خلفه مسيرة فنية حافلة أثرى فيها الساحة الفنية والثقافية و قدم إسهامات قيمة ومهمة في مجال الفن، مما جعله أكثر ثراء وتنوعا وإبداعا بالإنجاز والعطاء انتقل عبد القادر سالم الى الرفيق الأعلى بعد رحلة عطاء امتدت لأكثر من خمسة عقود في مجال الغناء والبحث الموسيقي لم يكن مجرد مطرب، بل كان حاملاً لخصوصية ثقافية فريدة، حول إيقاعات كردفان ومفرداتها إلى لوحة فنية غنائية متفردة، جعلت حضور الإقليم ملموسا في المشهد الموسيقي الوطني. ظل وفياً لوطنه، الذي منحه صوته وعلمه الموسيقي عمقا وانتشارا لا نظير له واصبح قامة فنية سامقة، ترك بصمة خالدة في الموسيقى السودانية لم يكتف بتعريف السودانيين داخل البلاد بأنماط الموسيقى الشعبية، بل حمل تراث الإقليم إلى مختلف أنحاء العالم، من أوروبا إلى الولايات المتحدة الأميركية واليابان.
ان الحديث عن عبد القادر سالم يطول سوا عن أخلاقه أو فنه أو إنسانيته فهو فنان شامل بمعنى الكلمة يتخير كلماته وإيقاعاته وطريقة توزيع موسيقاه وأداءه تغنى بكافة الإيقاعات السودانية بما فيها الجراري والمردوم والسيرة والتمتم والريقي وغيرها. وهو من الفنانين الذين يحظون باحترام واسع في الوسط الفني وله تقدير خاص لدى من يعملون معه من الموسيقيين و اصبح فناناً عالمياً لقي قبولاً فنيا منقطع النظير فصارت لديه شهرة نادرة كواحد من الفنانين الذين مثلوا السودان في مهرجانات فنية مشهورة خارج حدود الوطن فأصبحت أغنياته تردد، من قبل بعض المطربين العالميين و هنالك مطربة إسرائيلية تغنت برائعته “حليوة يا بسامة” التي نالت إعجاب كثير من الجماهير في مختلف بقاع المعمورة. وقد شهد لعبد القادر سالم بالتميز والإبداع أناس كثر داخل و خارج السودان لأنه رجل متعلم ومثقف ومطلع وباحث لا يشق له غبار في مجال التراث الكردفاني والشعر الشعبي.
أن إسهامه لم يقتصر على الأداء الفني، بل امتد إلى التوثيق الأكاديمي، نال بموجبه درجتي الماجستير والدكتوراه، وأصدر كتاباً مرجعياً لكل من يرغب في استكشاف تراث الغرب الأوسط بالسودان، خاصة في إقليم كردفان، وصولاً إلى دارفور
برز اسم د. عبد القادر سالم على المستوى القومي منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، حيث شكل حضوره علامة فارقة في تطوير الغناء السوداني المرتبط بالتراث، لا سيما تراث إقليم كردفان، الذي مثل محورا أساسيا في مشروعه الفني والأكاديمي.
بدأ عبد القادر سالم حياته المهنية كمعلم قبل أن يتجه إلى الفن ويلتحق بالمعهد العالي للموسيقى والمسرح عام 1970 و برز دوره كمعلم مربي مقتدر و من الذين تخرجوا في معهد التربية بالدلنج حيث رشفوا رحيق المعارف والتجارب التربوية على أصولها كانت له مسيرة حافلة في التعليم الى جانب الفن حيث عمل في معاهد اعداد المعلمين ووزارة التربية والتعليم كموجه تربوي وكان المربي الكبير مديراً لمدرسة الصداقة السودانية التشادية بأجمينا التي يسميها التشاديون بمدرسة نميري لأنها أنشئت في عهده، وكان عبد القادر ثاني مدير لها بعد مؤسسها الأستاذ صديق عبد الله في أوائل سبعينات القرن الماضي عندما انتدب للتدريس والعمل الإداري في تشاد، كما ساهم في تكوين اتحاد الفنانين هناك وتدريبهم، وأصبح أستاذا مساعداً بجامعة الخرطوم بعد التقاعد، وساهم في تدريب الفنانين وتشكيل الفرق الموسيقية ونشر التراث الغنائي السوداني في الداخل والخارج عبر مسارات أكاديمية ومهنية متنوعة و عمل في إدارة المناشط التربوية بوزارة التربية والتعليم، ثم موجهاً تربوياً في ريف أم درمان، جمع بين الإبداع الفني والبحث الأكاديمي، مما جعله باحثا وموثقا للتراث الغنائي السوداني و أسهم في نشر الهوية الموسيقية السودانية عبر تجاربه الفنية والتعليمية.
ان ما قدمه الموسيقار عبد القادر من انجاز في الموسيقى الشعبية، الدراسات وندوات والاوراق العلمية أسهمت في توثيق التراث السوداني ما جعله أحد أبرز رموز الأغنية السودانية، حيث اشتهر بدمج التراث الغنائي لمنطقة كردفان في قالب موسيقي حديث ترك إرثًا فنيًا زاخرًا بالأعمال الموسيقية التراثية، حيث سجل أكثر من 40 عملًا غنائيًا للإذاعة السودانية إلى جانب عدد من الأغنيات المصورة التي وثّقت للبيئة الكردفانية وجمالياتها، والمحفوظة ضمن أرشيف التلفزيون القومي. ومن أبرز أعماله: مكتول هواك يا كردفان، بسامة، نجوم الليل، ليمون بارا، وكل ما قلت أغني، مقتول هواك يا كردفان، عمري ما بنسى، جافاني، بسامة، والمريود. كما شارك في أعمال عالمية مثل ألبوم أصوات السودان وألبوم نجوم الليل ساهم من خلالها في تعريف العالم بالموسيقى السودانية وتراثها الغني و برحيل الدكتور عبد القادر يفقد السودان صوتا فنيا معبرا عن التراث السوداني وتنوعه وعمقه الإنساني ما جعله قدوة للفنانين الشباب عبر مسيرته الملتزمة والمميزة
ان وزارة التعليم والتربية الوطنية إذ تنعي الفقيد الأستاذ الفنان القدير عبدالقادر سالم الذي عمل في سلك التعليم باكرا وكان من الاساتذة المخضرمين كما كان رائدا من رواد الأغنية وعرف عنه اجتهاده في البحث الأكاديمي في مجال التراث.
اننا في الوزارة إذ نعزي الشعب السوداني ومحبي الفقيد واحبابه فإننا نتضرع إلى الله تعالى أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته وأن يرزقه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وان يلهم أهله وذويه ومحبيه الصبر الجميل على ذلك الفقد العظيم الا رحم الله استاذ الاجيال وعميد الفن السوداني و وايقونة التراث القومي الدكتور الموسيقار عبد القادر سالم واسكنه فسيح جناته.