
حين تُوصي لجنةٌ حكومية بإنهاء خدمة نحو أربعة وستين ألف موظف وعامل دفعةً واحدة، فإن السؤال الأول الذي يطرح نفسه ليس: هل هذا صحيح أم خاطئ؟ بل: على أي أساس بُني هذا القرار، وما الذي يُراد تحقيقه فعلاً؟
اللجنة المُشكَّلة لتصفية العاملين بالدولة رفعت توصياتها إلى مجلس الوزراء، مقترحةً إعفاء ستين بالمئة من منسوبي المؤسسات الاتحادية والهيئات والشركات العامة البالغ عددها سبع عشرة جهة، صُنِّفت بين ممولة ومتعثرة ومدعومة. والمشكلة أن اللجنة نفسها لم تُبيِّن المعيار الذي استندت إليه في اختيار هذه النسبة تحديداً، لا الستين بالمئة كرقم، ولا التوزيع بين المعاش الاختياري وإلغاء الوظيفة. وهذا الغموض وحده كافٍ لإثارة تساؤلات جدية حول طبيعة هذه التوصية: هل هي نتاج دراسة أداء حقيقية، أم مجرد هدف رقمي أُريد له أن يبدو إصلاحاً هيكلياً؟
الفارق بين المسارين ضخم. فإذا كان الفصل مبنياً على تقييم أداء فردي أو مؤسسي موثَّق، وعلى دراسة للوظائف الفائضة فعلاً عن حاجة العمل، فإن ذلك يمثل خطوة إصلاحية مشروعة، وإن كانت مؤلمة. أما إذا كان الهدف الأساسي هو خفض فاتورة الرواتب في ظل ضائقة مالية خانقة تعيشها الدولة في زمن الحرب، فإن النتيجة تختلف جذرياً: نكون أمام توزيع للعبء لا أمام إصلاح حقيقي، وسيكون ثمنه الاجتماعي باهظاً.
السياق لا يمكن تجاهله. السودان يخوض حرباً مدمِّرة أعطبت مرافق الدولة وشتَّت كوادرها، وأحدثت شللاً في المنظومة المصرفية والإنتاجية معاً. في مثل هذه الأوقات، يغدو الموظف الحكومي في كثير من الحالات عبئاً على ميزانية منهكة، لكنه في الوقت ذاته شبكة أمان اجتماعية لأسرته، وهو في غالب الأحيان لا يملك بديلاً في سوق عمل خاص متوقف أو ضيِّق. فإخراج أكثر من ستين ألف شخص من سلك الوظيفة دفعةً واحدة يعني إضافة ستين ألف أسرة إلى قائمة الضغوط الاجتماعية في بلد يتصدَّع أصلاً.
والمفارقة أن الحكومة حين تتحدث عن إصلاح القطاع العام، تصطدم بحقيقة صعبة: كثير من هذه الشركات والهيئات المصنَّفة متعثرة أو مدعومة لم تتعثر بسبب فائض العمالة فحسب، بل بسبب سوء الإدارة، وغياب الحوكمة، والتدخل السياسي في قراراتها. ومن ثَمَّ، فإن تقليص العمالة من دون معالجة هذه الأسباب الجذرية يشبه إجراء جراحة تجميلية لمريض يحتاج إلى علاج داخلي، الجراحة ستُخفِّف من مظهر المشكلة، لكنها لن تُعالجها.
ثمة مسار أكثر مسؤولية كان ممكناً: أن تبدأ اللجنة بتصنيف الوظائف لا العاملين، وأن تُحدِّد الوظائف الفائضة فعلاً عن الحاجة التشغيلية لكل جهة، وأن تُفرِّق بين المؤسسات القابلة للإصلاح وتلك التي تستحق الإغلاق الكامل. وبعد ذلك يأتي الحديث عن أعداد، لا العكس. أما أن تبدأ بنسبة ستين بالمئة مُعلَّقة في الهواء، فذلك نهج يُخيف قبل أن يُقنع، ويثير الاعتراض قبل أن يفتح باب الحوار.
لا خلاف أن الجهاز الحكومي السوداني يحمل ترهُّلاً حقيقياً، وأن إصلاحه ضرورة لا تحتمل التأجيل المستمر. لكن الإصلاح المستدام لا يُبنى على قرارات مُستعجَلة تفتقر إلى المعايير الواضحة، ولا على توصيات تبدو كأنها أُريد لها أن تُحقِّق هدفاً مالياً آنياً على حساب التخطيط الاستراتيجي البعيد. والحكومة التي تُقدِم على هذا القرار دون أن تُوفِّر شبكة حماية اجتماعية فعلية للمتضررين، ستجد نفسها تُعالج أزمة اقتصادية بأزمة اجتماعية، وهذا مسار لا رابح فيه.