اقتصاد المهمشين في السودان والدوره الاقتصاديه بائعات الشاي والباعة المتجولين
وليد دليل _خبير مصرفي

يمثل اقتصاد “المهمشين” أو القطاع غير الرسمي في السودان العمود الفقري لحياة الملايين، خاصة في ظل الأزمات المتلاحقة. بائعات الشاي والباعة المتجولون ليسوا مجرد مظاهر اجتماعية، بل هم فاعلون اقتصاديون في دورة مالية ضخمة ومعقدة تعوض غياب الدولة في توفير الوظائف وشبكات الأمان الاجتماعي.
1. الدورة الاقتصادية لاقتصاد الهامش
يعمل هذا القطاع وفق “دورة يومية” سريعة التدفق، تتسم بالآتي:
التشغيل الذاتي الواسع: يوظف القطاع غير الرسمي في السودان حوالي 65% من العمالة، ويساهم بنحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي.
التمويل الصغير غير الرسمي: يعتمد الباعة على مدخراتهم البسيطة أو نظام “الختات” (الجمعيات التعاونية الصغيرة) لتوفير رأس المال، بعيداً عن التعقيدات البنكية.
تنشيط الاستهلاك: بائعات الشاي (اللاتي يتجاوز عددهن في الخرطوم وحدها عشرات الآلاف) يمثلن حلقة وصل استهلاكية؛ فهنّ يشترين السكر، الشاي، الفحم، والقهوة يومياً، مما يحرك تجارة التجزئة والجملة.
2. المشكلة: تحديات البقاء
تواجه هذه الفئات ضغوطاً مركبة تجعل استقرارهم الاقتصادي هشاً:
أ. “الكشة” والمطاردة القانونية
تعاني بائعات الشاي والباعة المتجولون من حملات “الكشة” (المصادرة) من قبل السلطات المحلية بحجة “تنظيم المدينة” أو “المظهر الحضاري”. هذه الحملات تؤدي إلى:
فقدان رأس المال (معدات العمل، الكراسي، البضائع).
فرض غرامات باهظة تفوق الدخل اليومي.
ب. انعدام المظلة القانونية والاجتماعية
لا يتمتع هؤلاء العمال بتأمين صحي أو تقاعد.
غياب التشريعات التي تعترف بمهنهم، مما يجعلهم عرضة للابتزاز أو التحرش في الشوارع.
ج. أثر النزاعات والتضخم
أدت الحرب الحالية والنزاعات السابقة إلى موجات نزوح كبرى، مما زاد من عدد الداخلين في هذا الاقتصاد “كخيار وحيد للبقاء”.
ارتفاع أسعار السلع الأساسية (السكر والغاز) يقلص هامش الربح الضعيف أصلاً.
3. الحلول المقترحة
بدلاً من المواجهة الأمنية، يتطلب الأمر “مقاربة تنموية”:
التقنين المرن: منح تراخيص عمل رمزية ومنظمة تسمح لهم بالعمل في مساحات مخصصة بدلاً من المطاردة، مما يحولهم إلى قطاع “منظم جزئياً” يسهم في رسوم الدولة مقابل الحماية.
الشمول المالي: تسهيل وصول هذه الفئات إلى القروض المتناهية الصغر (Microfinance) عبر تطبيقات الموبايل وبنوك التنمية الاجتماعية لتطوير أدوات عملهم.
تفعيل النقابات والاتحاد: دعم “اتحاد بائعات الشاي” والكيانات النقابية للباعة المتجولين ليكون لهم صوت تفاوضي مع السلطات.
الحماية الاجتماعية: إدراجهم في سجلات الدعم الحكومي والتأمين الصحي عبر كروت مهنية مرتبطة بمواقع عملهم.
4. استشراف المستقبل: من الهامش إلى المتن
في “سودان ما بعد الأزمة”، يمكن لهذا القطاع أن يتحول إلى قوة دافعة عبر:
ريادة الأعمال الاجتماعية: تحويل “نقطة بائعة الشاي” إلى مركز خدمي صغير (توفير إنترنت، نقاط شحن كهربائي، أو تبادل معلومات).
التنظيم المكاني: دمج الباعة المتجولين في الأسواق المركزية عبر “أكشاك” صديقة للبيئة تعمل بالطاقة الشمسية بدلاً من الفحم، مما يقلل التكلفة الصحية والبيئية.
الاعتراف الاقتصادي: توثيق مساهمة هذا القطاع في الإحصاءات الرسمية يساعد في رسم سياسات اقتصادية واقعية لا تتجاهل الأغلبية العاملة في الظل.
إن استقرار اقتصاد بائعات الشاي والباعة المتجولين هو استقرار لأمن السودان الغذائي والاجتماعي، فهم “شبكة الأمان” التي منعت انهيار آلاف الأسر السودانية في أصعب الظروف.