تحليل ورأي

استراتيجيه السردية السودانيه وتحقيق النمو الاقتصادي

وليد دليل _ خبير مصرفي

 

تعد “السردية السودانية” مفهوماً محورياً يسعى لإعادة صياغة الهوية الوطنية والنهج التنموي بناءً على الجذور التاريخية والتنوع الثقافي، بدلاً من الاعتماد على القوالب الجاهزة المستوردة. إليك تحليل شامل لهذه الاستراتيجية وعلاقتها بالنمو الاقتصادي:
​أولاً: ماهي السردية السودانية؟
​السردية السودانية هي منظومة فكرية وقيمية تهدف إلى بناء وعي جمعي جديد يتجاوز الانقسامات العرقية والجهوية. هي محاولة للإجابة على سؤال: “من نحن؟ وكيف نريد أن نهض ببلدنا؟” من خلال:
​الاعتراف بالتنوع: اعتبار التعدد العرقي والثقافي مصدر قوة اقتصادية وبشرية وليس عبئاً.
​التوطين: بناء نماذج اقتصادية وسياسية تنبع من خصوصية المجتمع السوداني (مثل قيم “النفير” والتعاون المجتمعي).
​الارتباط بالأرض: تعزيز الرابط بين المواطن والإنتاج، خاصة في القطاعات التقليدية كالزراعة والرعي.
​ثانياً: أهداف السردية السودانية
​تهدف هذه الاستراتيجية إلى تحويل المفاهيم الثقافية إلى محركات للنمو الاقتصادي عبر:
​تحقيق الاستقلال الاقتصادي: تقليل الاعتماد على المعونات الخارجية والديون عبر استغلال الموارد الذاتية.
​العدالة التوزيعية: ضمان وصول ثمار التنمية إلى الأقاليم والمناطق المهمشة تاريخياً (النمو من القاعدة إلى القمة).
​بناء هوية إنتاجية: تحويل السودان من بلد مصدر للمواد الخام إلى دولة صناعية (شعار “صنع في السودان”).
​الاستقرار السياسي: توفير بيئة جاذبة للاستثمار من خلال توافق وطني شامل ينهي الصراعات.
​ثالثاً: معوقات السردية السودانية
​تواجه هذه الرؤية تحديات جسيمة تعيق ترجمتها إلى واقع ملموس:
​عدم الاستقرار السياسي والحروب: الصراعات المسلحة تدمر البنية التحتية وتؤدي إلى نزوح العقول والأيدي العاملة.
​الأزمة الاقتصادية الهيكلية: ارتفاع معدلات التضخم، انهيار العملة، والديون الخارجية المتراكمة.
​ضعف المؤسسات: البيروقراطية والفساد اللذان يمنعان تنفيذ الخطط الاستراتيجية بفعالية.
​التدخلات الخارجية: الضغوط الدولية التي قد لا تتوافق مع “السردية الوطنية” المستقلة.
​رابعاً: استشراف المستقبل
​لتحقيق النمو الاقتصادي من خلال السردية السودانية، يجب التركيز على المسارات التالية:
​1. التحول نحو “الاقتصاد الأخضر”
​استغلال الأراضي الخصبة والموارد المائية ليصبح السودان “سلة غذاء العالم”، ليس فقط بتصدير المحاصيل، بل بتصنيعها (الزيوت، السكر، الجلود).
​2. الاستثمار في رأس المال البشري
​التركيز على التعليم التقني والبحث العلمي لربط مخرجات التعليم باحتياجات السوق السوداني، وتحويل جيل الشباب من طالبين للوظائف إلى رواد أعمال.
​3. التكنولوجيا والرقمنة
​استخدام التكنولوجيا لتجاوز العقبات الجغرافية، مثل تعزيز “الشمول المالي” عبر الدفع الإلكتروني، ودعم الابتكار في الخدمات الزراعية والصحية.
​4. التكامل الإقليمي
​الاستفادة من موقع السودان الجيوسياسي كجسر بين الدول العربية وأفريقيا، مما يجعله مركزاً لوجستياً وتجارياً عالمياً.
​خلاصة: السردية السودانية ليست مجرد شعارات، بل هي “عقد اجتماعي واقتصادي” جديد. إذا نجح السودان في تجاوز أزمته الحالية، فإن هذه السردية ستمثل الوقود الفكري لانطلاقة اقتصادية كبرى تعيد للبلاد مكانتها الريادية.
في ظل الظروف الراهنة التي يمر بها السودان، وبالنظر إلى تعقيدات المشهد، فإن الأولوية القصوى التي تمثل “حجر الزاوية” لانطلاق أي سردية وطنية أو نمو اقتصادي هي:
​1. تحقيق الاستقرار الأمني وبناء الثقة المجتمعية
​لا يمكن الحديث عن تنمية أو سردية اقتصادية في بيئة يغيب عنها الأمن. الأولوية هنا ليست فقط وقف النزاع، بل إعادة بناء الثقة بين المكونات السودانية المختلفة. دون “سلم اجتماعي”، ستظل الموارد معطلة، والعقول مهاجرة، ورؤوس الأموال هاربة.
​2. المسارات العاجلة المرتبطة بهذه الأولوية:
​تأمين سبل العيش (اقتصاد الصمود): البدء فوراً في دعم قطاع الإنتاج الصغير (المزارعين والرعاة) في المناطق الآمنة والمستقرة نسبياً. هذا يضمن توفير الغذاء ويمنع انهيار الدولة اقتصادياً بشكل كامل.
​إصلاح المؤسسات العدلية والرقابية: البدء في بناء نظام مؤسسي شفاف يحارب الفساد ويضمن سيادة القانون، لأن “السردية السودانية” تقوم على العدالة، والنمو الاقتصادي يتطلب بيئة قانونية تحمي المستثمر والمنتج.
​التعليم والخطاب الإعلامي الجديد: تبني خطاب وطني جامع في المؤسسات التعليمية والإعلامية يركز على “الهوية السودانية الموحدة” بدلاً من الجهوية، لضمان التفاف الشعب حول مشروع وطني واحد.
​لماذا هذه هي الأولوية؟
​لأن الاقتصاد السوداني ليس فقيراً في الموارد (أراضٍ، معادن، طاقة بشرية)، بل هو فقير في الاستقرار والبيئة المؤسسية. وبمجرد توفر الحد الأدنى من الأمن والاتفاق السياسي، ستبدأ الموارد في التدفق تلقائياً وفق “السردية السودانية” التي تضع مصلحة المواطن والإنتاج المحلي أولاً.
​باختصار: البداية يجب أن تكون من “الإنسان السوداني”؛ بتأمينه أولاً، ثم إشراكه في صياغة مستقبله عبر نظام يحترم تنوعه ويحمي حقوقه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى