

في زمن تتشابك فيه الضغوط الخارجية مع تعقيدات المشهد السوداني تصبح بعض المواقف أكبر من أن تقرأ باعتبارها مجرد إجراءات بروتوكولية أو ردود أفعال عابرة بل تتحول الى اختبار حقيقي لصلابة الادارة الوطنية ومن هذا المنطلق يأتي قرار السيد نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي مالك عقار بعدم مواصلة زيارته إلى ألمانيا عقب الرفض غير المبرر لمنح تأشيرات لعدد من أعضاء وفده المرافق لوضع النقاط فوق حروف السيادة الدبلوماسية
فالقضية هنا ليست مجرد تأشيرات سفر فحسب وإنما ترتبط مباشرة بكيفية التعامل مع الوفود السودانية واحترام حقها السيادي في اختيار ممثليها وعندما يمنح رئيس الوفد وبعض أعضائه التأشيرات بينما يستبعد آخرون فإن الأمر يطرح تساؤلات مشروعة حول الرسائل السياسية الكامنة وراء هذا السلوك وحول مدى احترام مبدأ التعامل بالمثل المتكافئ مع مؤسسات الدولة السودانية.
و ما يحسب لعقار أنه اختار الموقف الأصعب كان بإمكانه أن يمضي في زيارته وأن ينجز برنامجها كما خطط له لكنه فضل أن يبعث برسالة واضحة مفادها أن الوفد لا يتجزأ وأن احترام الدولة يبدأ باحترام ممثليها كافة لا بعضهم دون بعض.
وليس هذا الموقف معزولا عن مسيرة رجل الدولة فهو يضاف الى سجل حافل بمواقف وطنية اخرى لا تحصى اثبتت الايام صلابتها فمنذ توليه موقعه في مجلس السيادة ظل مالك عقار من أكثر القيادات وضوحا في التعبير عن رفض التدخلات الخارجية في الشأن السوداني مؤكدا أن الحلول الحقيقية لا تفرض من الخارج وإنما تنبع من إرادة السودانيين أنفسهم كما ظل ثابتا في مواقفه تجاه القضايا الوطنية الكبرى سواء اتفق معه البعض أو اختلفوا.
وفي تقديري فإن قيمة الموقف الأخير لا تكمن فقط في رفض زيارة أو إلغاء برنامج دبلوماسي بل في تأكيد مبدأ مهم ظل السودان في حاجة إليه طويلا وهو أن الكرامة الوطنية ليست بندا قابلا للتفاوض أو التجزئة.
قد يختلف الناس حول مالك عقار وسياساته ومواقفه وهذا حق مشروع في فضاء العمل العام لكن من الصعب إنكار أن الرجل يتعامل مع كثير من القضايا المصيرية من منطلق قناعات وثوابت واضحة لا تتأثر بتبدل الظروف ولذلك جاء موقفه الأخير منسجما مع نهج عرف به يقوم على التمسك بما يراه حقا للسيادة الوطنية حتى وإن كان الثمن التخلي عن بريق مكاسب سياسية أو دبلوماسية عابرة.
ففي السياسة قد تنسى الكلمات وتذروها الرياح سريعا اما المواقف المبدئية فتبقى عصية على النسيان وموقف مالك عقار اير بانتصاره للسيادة على حساب البريق الدبلوماسي هو واحد من تلك المواقف التي ستسجل في رصيده الوطني والتاريخي باعتباره درسا في كيفية ادارة العلاقات الدولية بكبرياء لا ينحني.