معابر الحدود مع مصر نزيف الفاقد الضريبي والجمركي في سودان ما بعد الحرب
وليد دليل خبير مصرفي

تأتي توجيهات وزير المالية د. جبريل إبراهيم الأخيرة بضبط المعابر الحدودية وتطويرها وفق المعايير العالمية في وقت تشتد فيه الحاجة إلى أي مورد مالي يمكن أن يخفف الضغط الهائل على خزينة الدولة المستنزفة بتكاليف الحرب. ولعل أبرز نموذج يكشف عمق الأزمة هو معبر أرقين الحدودي مع مصر، الذي يُفترض أن يكون أحد أهم منافذ السودان التجارية في الشمال، لكنه يعاني منذ سنوات من فوضى إدارية وتسريبات جمركية تكبّد الدولة خسائر تقدَّر بمئات المليارات من الجنيهات سنوياً.
واقع ما بعد الحرب: معبر بلا سيطرة كاملة
مع انتقال الثقل الاقتصادي إلى الشمال والشرق بعد الحرب، تضاعفت أهمية معبر أرقين كنقطة عبور رئيسية للبضائع الواردة من مصر ودول أخرى عبر الموانئ المصرية. لكن هذه الأهمية المتزايدة لم تواكبها بنية رقابية قادرة على ضبط الحركة التجارية، حيث ظلت إدارة المعبر مشتتة بين عدة جهات: الجمارك، الهجرة، الكهرباء والمياه، الصحة، الأمن، وجهات أخرى، كل منها يعمل بمعزل عن الآخر دون نظام موحد للمعلومات.
الفاقد الضريبي: أرقام تتحدث عن نفسها
تشير تقديرات غير رسمية من مصادر داخل مصلحة الجمارك إلى أن نسبة كبيرة من البضائع العابرة من معبر أرقين تدخل دون تقييم جمركي دقيق، إما عبر التهريب الصريح أو من خلال “التهريب الجمركي” المقنّع، أي التصريح بقيم أو كميات أقل من الحقيقة بالتواطؤ أو بسبب غياب أجهزة الفحص والموازين الحديثة. هذه الممارسات تعني أن الخزينة العامة تفقد فعلياً نسبة كبيرة من الإيرادات المفترضة من الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة على هذه الشحنات.
النتيجة المباشرة هي ازدواجية مدمرة: من جهة، يتحمل المستورد الملتزم في الخرطوم أو بورتسودان أعباء ضريبية وجمركية كاملة وفق التعريفات الرسمية، ومن جهة أخرى يدخل منافسوه عبر أرقين ببضائع مماثلة بتكلفة جمركية أقل بكثير، مما يشوّه السوق ويعاقب الملتزمين ويشجع التهرب الضريبي على نطاق أوسع.
غياب الربط الشبكي: جذر المشكلة
التوجيه الأخير الصادر عن وزارة المالية بشأن “إكمال تنفيذ الربط الشبكي بين الوحدات الحكومية العاملة” يلامس جوهر المشكلة الحقيقية. فبدون نظام معلوماتي موحد يربط بوابة الجمارك بالبنك المركزي وهيئة الإيرادات والمعابر الأخرى، يبقى من المستحيل تتبع البضاعة من لحظة دخولها حتى وصولها للمستهلك النهائي، ومن المستحيل أيضاً مطابقة البيانات للكشف عن التهريب أو التهرب من السداد.
كما أن غياب هذا الربط يفتح الباب لظاهرة “التصريح المزدوج”، حيث تُسجَّل شحنة واحدة بأكثر من طريقة في سجلات مختلفة، أو تُمرَّر بضائع تحت تصنيفات جمركية أقل تعريفة من تصنيفها الحقيقي دون أن يكتشف ذلك أحد بسبب عدم وجود قاعدة بيانات مركزية للمقارنة.
ضعف البنية التحتية والكوادر
إلى جانب التحديات التنظيمية، يعاني معبر أرقين من نقص حاد في الكوادر المدربة وأجهزة الفحص الحديثة، مما يجعل التقييم الجمركي يعتمد بشكل كبير على التقدير اليدوي القابل للتلاعب. كما أن انقطاعات الكهرباء والاتصالات المتكررة في المنطقة الحدودية تعيق تشغيل أي نظام إلكتروني حتى لو تم تركيبه، وهو ما يضع تحدياً إضافياً أمام أي خطة للربط الشبكي المعلن عنها.
الطريق نحو الإصلاح
تحقيق الأهداف التي أعلنتها وزارة المالية يتطلب أكثر من التوجيهات الإدارية؛ فهو يحتاج إلى استثمار حقيقي في البنية التقنية للمعبر، وتوحيد سلطة الإدارة تحت جهة واحدة تتحمل المسؤولية الكاملة بدلاً من التشظي الحالي بين عدة جهات، إلى جانب برنامج تدريبي عاجل لكوادر الجمارك على أساليب التقييم الحديثة ومكافحة التهريب.
كما يستوجب الأمر مراجعة التعريفات الجمركية نفسها بما يقلل الحافز على التهريب، إذ إن الفجوة الكبيرة بين الرسوم الرسمية والتكلفة الفعلية للتهريب تظل أحد أهم الدوافع الاقتصادية لاستمرار هذه الظاهرة، بصرف النظر عن أي إجراءات رقابية أو تقنية تُتخذ.
تبقى معابر الحدود مع مصر، وفي مقدمتها أرقين، اختباراً حقيقياً لجدية الحكومة في إصلاح المنظومة الجمركية، وملفاً لا يمكن لوزارة المالية تجاوزه إذا أرادت بالفعل تعظيم الموارد السيادية في ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة.