تحليل ورأي

النزوح السوداني أزمة إنسانية بتداعيات اقتصادية كارثية

وليد دليل خبير مصرفي

لا تحتاج أرقام النزوح السوداني الصادرة حديثاً عن المنظمة الدولية للهجرة إلى كثير من التعليق، فهي بحجمها وتفاصيلها تختزل وحدها حجم الكارثة التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. فقبل تلك اللحظة الفارقة، كان البلد يضم 3.8 مليون نازح، ثم قفز هذا الرقم في يناير 2025 إلى 11.5 مليون، قبل أن يستقر بنهاية مايو 2026 عند 8.8 مليون نازح داخلي، وذلك بعد موجة عودة واسعة تجاوزت 4.4 مليون شخص. لكن الانخفاض النسبي في أعداد النازحين لا ينبغي أن يوحي بأن الأزمة في تراجع، بل إن القراءة الاقتصادية لهذه البيانات تكشف عن وجه آخر لا يقل خطورة عن الوجه الإنساني.
ما يلفت النظر أن 55% من النازحين هم أطفال دون سن الثامنة عشرة، وأن 51% من الأسر النازحة تعيلها نساء. هذان الرقمان وحدهما يعنيان أن السودان يفقد اليوم جيلاً كاملاً من رأسه المال البشري المستقبلي، في ظروف تحرمه من التعليم والتغذية والاستقرار النفسي، وهو ما ستظهر تكلفته الحقيقية على الاقتصاد الوطني بعد سنوات. ومن الناحية الهيكلية، فإن تركز النازحين في المدن بنسبة 59% مقابل 41% في الريف يعني ضغطاً متصاعداً على بنية تحتية حضرية أصلاً منهكة، فيما يعاني الريف من شُح اليد العاملة الزراعية في موسم زراعي حرج.
وعلى صعيد الإقامة، فإن 38% من النازحين يعيشون مع عائلات مضيفة، و29% في تجمعات غير رسمية، وهو ما يشير إلى أن الجزء الأكبر من أعباء الاستيعاب يقع على كاهل المجتمعات المحلية لا على الدولة أو المنظومة الإنسانية، مما يفرض ضغطاً إضافياً على الموارد المحلية الشحيحة ويعمق الفجوات الاجتماعية في المناطق المستضيفة. أما الحرائق التي رصدها التقرير بوصفها سبباً متصاعداً للنزوح خلال 2026، إذ تسببت في تشريد أكثر من 24 ألف شخص بأربعة أضعاف معدل العام الماضي، فهي مؤشر على أن النازحين يعيشون في ظروف بالغة الهشاشة تجعلهم عرضة لكوارث متكررة تستنزف ما تبقى من مقدراتهم.
أما على جانب العودة، فإن ما يزيد على 2.1 مليون شخص عادوا إلى الخرطوم و1.2 مليون إلى الجزيرة يمثلان ظاهرة ذات بعدين متناقضين. فمن جهة، يؤكد التقرير أن 87% من العائدين دفعهم تحسن الأوضاع الأمنية في مناطقهم الأصلية، وهو مؤشر إيجابي نسبي. لكن من جهة أخرى، فإن العودة إلى بنية تحتية مدمرة وخدمات غائبة واقتصاد متوقف تعني أن هؤلاء العائدين يواجهون مرحلة إعادة بناء شبه كاملة بموارد شخصية شبه معدومة، وهو ما يحوّل العودة من مؤشر تعافٍ إلى عبء اقتصادي جديد إذا لم تواكبها استجابة إنسانية وتنموية منظمة.
وتبقى الصورة الأشد قتامة في الأفق القريب، إذ يتوقع التقرير عودة أكثر من 5.1 مليون شخص خلال الأشهر الثلاثة القادمة، وما يصل إلى 7.2 مليون خلال ستة أشهر إذا استقرت الأوضاع. هذه الأرقام تعني أن السودان مقبل على موجة عودة غير مسبوقة إلى مدن وقرى لا تزال تفتقر إلى أبسط مقومات الاستقبال، من سكن وماء وصرف صحي وخدمات صحية وفرص عمل. وما لم تتحرك الحكومة والمنظومة الدولية بخطط استجابة مسبقة ومموّلة بشكل كافٍ، فإن العودة بهذا الحجم قد تتحول من علامة تعافٍ إلى بداية أزمة إنسانية واقتصادية من نوع جديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى