
تضع الحرب الدائرة في السودان الاقتصاد القومي أمام اختبارات قاسية غير مسبوقة، غير أن المشهد الأكثر تعقيداً يتجلى اليوم في تهاوي القدرة الشرائية للمواطن أمام قفزات التضخم التي لم تعد ترحم أحداً. وفي قراءة متأنية لأحدث تقارير “مبادرة مراقبة الأسواق المشتركة (JMMI)” الصادر بدعم من مجموعة عمل النقد وبرنامج الأغذية العالمي، نجد أنفسنا أمام مفارقة اقتصادية بالغة الغرابة؛ فالأسواق السودانية ما زالت تُبدي مرونة تشغيلية مذهلة وتكافح للبقاء على قيد الحياة، إلا أن هذا الصمود البطولي يصطدم باختناق كامل في شبكات التوريد، وارتفاع جنوني في الأسعار بات يلتهم الدخل الشحيح للأسر، مما يحول السلع الأساسية إلى أمنيات بعيدة المنال.
إن الأرقام الصادمة التي حملها التقرير تعكس واقعاً مأزوماً تجاوزت فيه تكلفة سلة الإنفاق الأدنى لأسرة مكونة من ستة أفراد حاجز الـ 551 ألف جنيه سوداني شهرياً كمتوسط عام، بزيادة شهرية متواصلة تدفعها بالأساس قفزات أسعار المكونات الغذائية والمنزلية. هذا الارتفاع المستمر لا يعبر عن مجرد أرقام تضخمية معتادة، بل هو مؤشر خطير على اتساع الفجوة بين الدخول الفعلية وتكلفة البقاء على قيد الحياة، لا سيما في ظل التفاوت المرعب بين المحليات؛ إذ بلغت كلفة المعيشة ذروتها في محلية ريفي غرب كسلا لتتجاوز 753 ألف جنيه، تليها محلية أمبدة بولاية الخرطوم بنحو 734 ألف جنيه، مما يوضح أن القرب من مناطق المواجهات أو مراكز النزوح يفرض ضغوطاً تمويلية ولوجستية هائلة ترفع كلفة السلع بشكل قياسي، بينما تسجل مناطق أخرى مثل أمدرمان انخفاضاً معزولاً بنسبة 9% لتقف عند حدود 372 ألف جنيه، وهو انخفاض لا يعود لرفاهية اقتصادية بل لظروف حركية وسكانية خاصة.
ولعل الجانب الأكثر خطورة من المنظور المصرفي والتنموي ليس فقط الارتفاع السعري، بل “العجز الهيكلي” في مرونة العرض؛ فالتقرير يشير إلى أن قرابة 59% من الأسواق تعاني ضعفاً حاداً في قدرة التجار على تعويض مخزوناتهم السلعية، وهو ما يفسر تقهقر كفاءة الأسواق في مناطق الاشتباكات بجنوب كردفان وشرق دارفور إلى مستويات دنيا تتراوح بين 37% و48%. إن هذا العجز التجاري تُرجم مباشرة إلى شح حاد وانعدام كامل لسلع استراتيجية؛ حيث يعجز 20% من التجار تماماً عن توفير الذرة الرفيعة والبصل والسكر، في حين وصلت الكارثة الاقتصادية والإنسانية ذروتها في ولاية النيل الأزرق بانهيار كامل في العرض أدى لانعدام سبع سلع أساسية من أصل ثماني سلع تشكل قوام سلة الحياة اليومية.
هذا الشلل لم يتوقف عند حدود الغذاء، بل امتد ليعصف بقطاع الطاقة ومستلزمات النظافة والصحة العامة، مع تسجيل نقص كامل في أسطوانات الغاز بنسبة 70% في الأسواق، وشح في الفوط الصحية والمستلزمات النسائية بنسبة تتجاوز 51%، مما ينذر بكارثة صحية وبيئية تضاعف من مأساوية المشهد. ومن الناحية الاقتصادية، فإن وصول الأسواق إلى هذه المرحلة من جفاف السيولة السلعية يعني أن النظم التقليدية للموجات الإمدادية قد تحطمت، وأن الأسواق باتت تعتمد على اقتصاد الجزيرة المعزولة، حيث ترتفع التكلفة تلقائياً لتعويض مخاطر النقل والتأمين وعمليات العبور المعقدة عبر خطوط المواجهات.
أمام هذا الانسداد الهيكلي في شرايين الاقتصاد الإمدادي، يصبح من الضروري إدراك أن الحلول التقليدية لم تعد تجدي نفعاً، فما تحتاجه الأسواق السودانية والمواطن الآن يتجاوز مجرد النداءات الإنسانية التقليدية؛ إن طوق النجاة العاجل يكمن في مسارين متوازيين: الأول هو تفعيل التدخلات النقدية المباشرة والمساعدات المالية العابرة للقنوات المصرفية والرقمية لضمان وصول القدرة الشرائية للمواطنين بشكل فوري، والثاني هو ابتكار آليات عاجلة لحماية سلاسل التوريد وضمان ممرات آمنة للسلع التجارية لتستعيد الأسواق قدرتها على التغذية المرتدة، وبدون هذين الإجراءين، فإن تآكل الاقتصاد الجزئي سيستمر حتى نصل إلى مرحلة جمود كاملة تدفع فيها الأسر السودانية الثمن الأغلى من قوتها اليومي وحقها الأساسي في الحياة.