تحليل ورأي

قرصنة المجموعات الاقتصادية

وليد دليل — خبير مصرفي

حين تندلع الحروب، لا تتوقف الاقتصادات عن العمل، بل تتحول إلى أشكال أخرى من العمل، أشكال يهيمن عليها من يملك السلاح لا من يملك الكفاءة. وما يجري في السودان منذ أبريل 2023 ليس استثناءً من هذه القاعدة، بل هو تجسيدها الأكثر حدةً وفجاجةً، إذ لم تكتفِ الجماعات المسلحة بالسيطرة على الأرض، بل مضت إلى ما هو أبعد وأشد خطراً: السيطرة على المجموعات الاقتصادية وتحويلها من مؤسسات إنتاج إلى أدوات نهب منظّم.
المجموعات الاقتصادية في السودان ليست مجرد شركات عادية، فهي تكتلات متكاملة تجمع في بنيتها الواحدة قطاعات الإنتاج والتوزيع والتمويل والاستيراد، وكثير منها ارتبط تاريخياً بالدولة سواء عبر الملكية المباشرة أو عبر شبكة العلاقات التي نسجتها عقود من الاقتصاد الريعي. هذه البنية المركّبة جعلتها هدفاً استراتيجياً بامتياز في زمن الحرب، لأن من يسيطر عليها لا يحصل فقط على مورد مالي، بل يحصل على آلة اقتصادية كاملة قادرة على إنتاج الإيراد وإدارة السيولة وتوزيع البضائع في آنٍ واحد.
ما جرى على أرض الواقع يمكن وصفه بالقرصنة الاقتصادية المنهجية. فبعد سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من الخرطوم وولايات أخرى، لم يقتصر الأمر على نهب المنازل والبنوك والمستشفيات، بل امتد إلى الاستيلاء على مقار الشركات الكبرى وإجبار إداراتها على الاستمرار في العمل تحت الإشراف المسلح، أو تحصيل إتاوات منتظمة مقابل السماح لها بالتشغيل. وفي حالات موثقة، جرى إخضاع عمليات بعض هذه الكيانات لخدمة مباشرة للاحتياجات اللوجستية للجماعة المسلحة، من توريد الوقود والغذاء إلى إدارة سلاسل التوريد عبر المناطق الخاضعة لسيطرتها.
الأخطر في هذه المعادلة أن القرصنة لم تكن دائماً بالقوة الصريحة، فثمة نمط آخر لا يقل خطورةً تمثّل في ما يمكن تسميته “الشراكة القسرية”، حيث يجد أصحاب بعض المجموعات الاقتصادية أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التخلي عن أصولهم والفرار، وإما الدخول في ترتيبات مالية غير رسمية مع الجماعات المسلحة تضمن لهم استمرار النشاط مقابل حصة من الأرباح أو خدمات بعينها. وقد أفرز هذا النمط فئةً من رجال الأعمال انزلقوا تدريجياً من موقع الضحية إلى موقع الشريك، لا لقناعة بل لأن منطق البقاء في بيئة الحرب لا يتيح ترف الحياد.
على المستوى الاقتصادي الكلي، تعني قرصنة المجموعات الاقتصادية أن جزءاً معتبراً من الناتج الاقتصادي الفعلي في المناطق المتأثرة بالحرب قد انفصل تماماً عن دائرة الدولة الرسمية، فلا ضرائب تتدفق إلى الخزينة، ولا إحصاءات تعكس الحجم الحقيقي للنشاط، ولا رقابة مصرفية على التدفقات النقدية الناجمة عنه. والأكثر من ذلك أن هذه الكتلة الاقتصادية المنفصلة باتت تموّل آلة الحرب وتُطيل أمدها، مما يجعل إنهاء الصراع العسكري وحده غير كافٍ لاستعادة الاقتصاد الوطني ما لم يُعالج الاختراق الهيكلي الذي تعرضت له مؤسساته.
ولا يمكن قراءة هذه الظاهرة باستقلالية تامة عن سياقها التاريخي، فالسودان دخل الحرب وهو يحمل إرثاً ثقيلاً من الدولة الموازية التي بنتها قوات الدعم السريع على مدى سنوات عبر سيطرتها على تجارة الذهب وشبكات التهريب عبر الحدود، وهو ما أعطاها ليس فقط القدرة المالية على شن الحرب، بل الخبرة التشغيلية في إدارة الاقتصاد خارج المؤسسات الرسمية. وحين واجهت هذه القوات مجموعات اقتصادية منظمة في المدن التي سيطرت عليها، لم تكن لتتردد في توظيف هذه الخبرة لاستيعابها وتطويعها.
الخلاصة أن السودان يواجه اليوم معادلة بالغة التعقيد: إعادة الإعمار لن تبدأ بالطوب والإسمنت، بل بإعادة انتزاع المجموعات الاقتصادية من أحضان الجماعات المسلحة وإعادة دمجها في منظومة الدولة. وهذا يستلزم من أي حكومة قادمة أن تمتلك استراتيجية واضحة تتجاوز الترميم إلى إعادة الهيكلة الحقيقية، مع إدراك أن بعض هؤلاء الشركاء القسريين الذين أبرموا تسويات مع جماعات السلاح سيكونون جزءاً من المشكلة لا جزءاً من الحل، ما لم تُحسم معادلة المساءلة بجدية وشفافية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى