تحليل ورأي

حين يصبح التطبيق سلاحاً في حرب العملة

وليد دليل — خبير مصرفي

لم يكن تطبيق “زاجل” مجرد أداة رقمية بريئة لعرض أسعار الصرف، بل كان حلقةً في منظومة أوسع من التلاعب بسوق النقد الأجنبي، استغلت الهشاشة الاقتصادية التي خلّفتها الحرب، وتاجرت بحاجة المواطن إلى معلومة موثوقة في زمن يشحّ فيه اليقين. وقد كشف إغلاق التطبيق الذي نفّذته الاستخبارات العامة عن حجم ما كان يجري خلف واجهته الرقمية المصقولة.
أُطلق التطبيق في منتصف يونيو 2026 على يد مطوّر سوداني مستقل، وسرعان ما انتشر في مجموعات التواصل الاجتماعي التي تتداول أسعار العملات، إذ قدّم نفسه بمظهر رسمي موثوق يعرض أسعار الصرف لحظةً بلحظة، ويتيح حساب قيمة التحويلات بين الجنيه والعملات الأجنبية. غير أن ما كان يُعرض على شاشات المستخدمين لم يكن سوى أسعار مضخّمة تفوق ما هو متداوَل فعلياً في السوق الموازي، وُضعت بعناية لخدمة تجار العملة الراغبين في دفع الأسعار نحو الأعلى وتحقيق هوامش ربح على حساب عموم الناس.
وفي الاقتصاد السوداني الجريح، تحوّل سعر الصرف منذ اندلاع الحرب إلى متغيّر نفسي قبل أن يكون رقماً اقتصادياً. فحين تعجز البنوك عن توفير النقد الأجنبي لعملائها، وحين ينكفئ الجهاز المصرفي عن دوره في الوساطة، يصبح المواطن والتاجر والمغترب رهينةً لأي مصدر يدّعي أنه يعرف السعر الحقيقي. وهذا بالضبط ما راهن عليه القائمون على “زاجل”؛ استثمار فراغ المعلومة وتحويله إلى ربح، عبر نشر أسعار وهمية تُحدث موجة انتظار وهلع تدفع المعاملات إلى مسارات تخدم مصالح بعينها.
ليس الأمر جديداً من حيث الجوهر، فالتلاعب بأسعار الصرف عبر الشائعات والمعلومات الملفّقة ظاهرة قائمة منذ أمد، لكن ما ميّز “زاجل” هو توظيف التقنية وتصميم الواجهة الاحترافية أداةً للإيهام، إذ يغري المستخدم بالثقة لمجرد أن ما أمامه مصنوع بعناية ويشبه التطبيقات الرسمية. وهذا نوع من الاحتيال أكثر خطورة من الشائعة العابرة في مجموعة واتساب، لأنه يُضفي على الكذب لبوسَ الموثوقية.
إن إغلاق التطبيق وما أعقبه من تراجع في أسعار العملات الأجنبية مقابل الجنيه يثبت أن جزءاً من الضغط الذي كان يعانيه سوق الصرف لم يكن ضغطاً حقيقياً نابعاً من اختلال العرض والطلب، بل كان ضغطاً مصطنعاً تولّدت منه توقعات خاطئة أثّرت على القرارات الفردية وعلى حركة التداول. وهذا يضع المسألة في إطارها الأمني الاقتصادي الصحيح؛ فالتلاعب بسعر الصرف في بلد في حالة حرب ليس مجرد مخالفة مالية، بل هو ضرب من ضروب الحرب الاقتصادية التي تستهدف تماسك الجبهة الداخلية.
ومن هنا تتجلى أهمية تفعيل أدوات الأمن الاقتصادي بصورة منهجية لا موسمية، لا لملاحقة المضاربين بعد أن تقع الفأس في الرأس، بل لرصد المنصات غير الرسمية ومعاقبة من يتخذون من المعلومة المزوّرة أداةً للكسب على حساب استقرار العملة الوطنية. فالجنيه السوداني اليوم لا يحتمل مزيداً من الطعنات، لا من ميادين القتال ولا من شاشات الهواتف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى