اقتصادتحليل ورأي

تراجع الدولار.. من يربح ومن يخسر؟

وليد دليل — خبير مصرفي

حين يتراجع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه السوداني، لا يكون الخبر بالضرورة ساراً للجميع، ولا موجعاً للجميع في آنٍ واحد، بل إن الأثر يتوزع بحسب موقع كل طرف من منظومة الاقتصاد الوطني. وفهم هذا التوزيع ضروري قبل إصدار أي حكم على حركة سعر الصرف، إذ إن الارتفاع والانخفاض كلاهما ليسا غاية في ذاتهما، بل هما محطات في مسار أعمق وأكثر تعقيداً.
المستوردون وأصحاب الصناعات التي تعتمد على المدخلات المستوردة هم أول من يشعرون بالانفراجة، فتكلفة الحصول على الدولار تنخفض، ويخف الضغط على هوامش التشغيل التي عصرتها موجات الغلاء المتلاحقة. وفي سياق الاقتصاد السوداني المثقل بندرة العملة الأجنبية، يمثل أي انخفاض في سعر الدولار هامش تنفس لقطاعات كانت تتكيف مع ظروف استثنائية بوصفها أوضاعاً عادية. كذلك تجد الحكومة في هذا التراجع ارتياحاً نسبياً لجهة التزاماتها الخارجية، حين يُقاس عبء الدين الأجنبي بما يعادله من جنيهات.
في المقابل، يجد المضاربون على الدولار أنفسهم أمام خسائر في القيمة المتوقعة لمراكزهم، إذ ترتبط مكاسبهم ارتباطاً مباشراً باتجاه السعر صعوداً. وينضم إليهم من احتفظوا بمدخراتهم بالعملة الأمريكية رهاناً على استمرار الارتفاع، وهؤلاء يتحملون كلفة انتظار لم يكافئهم السوق عليها. أما المصدرون، فوضعهم أكثر دقة؛ فإن لم يصحب تراجع الدولار تحسن في الإنتاجية أو توسع في السوق الخارجية، فإن إيراداتهم الدولارية حين تُحوَّل إلى جنيهات ستكون أقل مما اعتادوا، ما يضيق هامش ربحهم.
بيد أن ما هو أهم من حركة السعر في ذاتها، هو السبب الكامن وراءها. فإن كان التراجع ثمرة تحسن حقيقي في تدفقات النقد الأجنبي، أو زيادة في المعروض الدولاري عبر قنوات رسمية، فذلك مؤشر صحي يعكس تحسناً في التوازنات الاقتصادية الكلية. أما إن كان تراجعاً ظرفياً مرتبطاً بعوامل موسمية أو تدخلات آنية، فإن أثره سيبقى محدوداً وقابلاً للانعكاس. والدرس الذي ينبغي أن يستقر في الوعي الاقتصادي العام أن استقرار سوق الصرف على المدى البعيد أجدى بكثير من تأرجحاته صعوداً وهبوطاً، فالثقة في العملة لا تُبنى بالتذبذب، بل بالاتساق والقدرة على الضبط الهيكلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى