تحليل ورأي

حين تفقد الدولة صوتها الواحد

وليد دليل... خبير مصرفي

 

تبدأ أزمات الدول الحقيقية من حيث لا يتوقع أحد، لا من المدافع ولا من صناديق الاقتراع، بل من قرار يصدر في الصباح ثم ينكره بيان في المساء، ومن جهة تتحدث باسم جهة أخرى لا تملك صفة الحديث نيابة عنها. هذا بالضبط ما يعيشه المشهد الحكومي السوداني هذه الأيام، حيث لم يعد السؤال عن جودة القرار بقدر ما أصبح السؤال عن هوية من يصدره أصلاً، وعن الجهة التي يحق لها أن تتحدث باسم الدولة، وعن المسافة الفاصلة بين ما يُعلن وما يُنفى بعد ساعات قليلة من إعلانه.
في الأسابيع الأخيرة، تكرر مشهد يستحق التوقف عنده، حين يتسرب خبر تعيين أو قرار إداري عبر وسائل الإعلام، ليأتي النفي لاحقاً من جهة لا تملك أصلاً صفة النفي أو الإثبات، فيما تبقى الجهة المختصة صامتة أو غائبة عن المشهد تماماً. هذا التداخل في الاختصاصات ليس زلة عابرة، بل هو عرض لمرض أعمق يتمثل في غياب المؤسسات التي يفترض أن تحكم مسار القرار من لحظة التفكير فيه وحتى لحظة إعلانه، بدءاً من الدراسة الفنية، مروراً بالتشاور مع أهل الاختصاص، وانتهاءً بجهة واحدة محددة تتحمل مسؤولية الإعلان والدفاع عن القرار أمام الرأي العام.
القصة تتكرر بصورة أكثر إيلاماً حين يتعلق الأمر بملفات ذات طابع اقتصادي وسيادي حساس، كملف التحول الرقمي في القطاع المصرفي وبوابات التعاملات المالية التي يفترض أن تُختار جهاتها بعد تدقيق صارم في السجل التجاري والمالي والأمني لأي شركة تدخل هذا المجال الحيوي. حين يوقَّع عقد ويُحتفى به احتفالاً رسمياً، ثم يُلغى بعد أيام معدودة إثر أسئلة أثارتها الصحافة عن طبيعة الجهة المتعاقد معها وارتباطاتها، فإن المشكلة لا تكمن في الإلغاء بحد ذاته، بل في السؤال الأخطر: كيف وصل العقد أصلاً إلى مرحلة التوقيع والاحتفال دون أن تُطرح هذه الأسئلة قبل ذلك بوقت كافٍ؟ إن قراراً بهذا الحجم، يتعلق بمفاصل السيادة المالية للبلاد، لا يجوز أن يُبنى على الانطباع أو الاستعجال أو الضغوط غير المعلنة، بل يجب أن يمر عبر مؤسسات رقابية حقيقية تملك صلاحية المراجعة قبل التوقيع لا بعده.
المفارقة أن هذا الاهتزاز في القرار لا يقتصر على جهة بعينها، بل يمتد ليشمل مؤسسات الدولة المختلفة، في ظل غياب شبه كامل للأطر الدستورية والتشريعية والقضائية التي يفترض أن تكون الحكم والضابط لكل قرار كبير. فحين تُدار الدولة دون محكمة دستورية فاعلة، ودون مجلس تشريعي يراقب، ودون وثيقة دستورية متفق عليها تحدد من يملك حق القول الفصل، يصبح كل قرار عرضة لأن يُنقض أو يُعدَّل أو يُنكر بحسب موازين القوى اللحظية لا بحسب القانون. وهذا بدوره يفتح الباب أمام تدخلات غير معلنة، وأصحاب نفوذ لا يظهرون في الواجهة لكنهم يوجهون القرار من خلفها، وهو ما يفسر كثيراً من حالات التخبط التي يعيشها المواطن يومياً دون أن يجد تفسيراً مقنعاً لها.
الحل ليس مستحيلاً ولا معقداً كما يبدو، فهو يبدأ من اعتراف صريح بأن هيبة الدولة لا تُقاس بعدد القرارات التي تصدرها في اليوم الواحد، بل بقدرتها على الثبات على قرار مدروس، وعلى تحديد جهة واحدة مسؤولة عن كل ملف تتحدث باسمه وتدافع عنه وتتحمل تبعاته. كما يستوجب الأمر إخضاع القرارات الكبرى، خاصة ذات الطابع المالي والسيادي، لدراسات فنية مسبقة تشارك فيها جهات الاختصاص لا الأفراد بصفاتهم الشخصية أو نفوذهم العابر. والمحاسبة هنا ليست ترفاً، بل هي الضمانة الوحيدة لمنع تكرار المشهد ذاته من قرار يُعلن ثم يُنفى ثم يُعاد النظر فيه دون أن يعرف أحد من كان صاحب القرار الحقيقي منذ البداية.
إن السودان وهو يخطو نحو مرحلة إعادة البناء بعد سنوات الحرب، لن يحتاج فقط إلى إعادة إعمار الجسور والمباني، بل سيحتاج أولاً وقبل كل شيء إلى إعادة بناء هيبة القرار ذاته، ذلك أن الدولة التي تتردد في قراراتها أو تناقض نفسها من جهة إلى أخرى، لن تستطيع أن تكسب ثقة مواطنيها مهما كانت نياتها حسنة. فالثقة لا تُبنى بالوعود، وإنما تُبنى بقرار واحد، ثابت، واضح المصدر، يعرف الجميع من أصدره ولماذا، ومن يتحمل مسؤوليته إذا أخطأ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى