تحليل ورأياقتصاد

سلاح الاستهلاك في اقتصاد الحرب: كيف يعيد الوعي المجتمعي ضبط الأسواق السودانية؟

بقلم: وليد دليل - خبير مصرفي

في كل مرة تشهد فيها الأسواق السودانية قفزات جنونية في أسعار السلع الأساسية والخدمات، تخرج علينا الذريعة الجاهزة والملفوفة دائماً بعباءة “ارتفاع سعر الصرف” أو “تكاليف الشحن والترحيل المعقدة في ظل الظروف الراهنة”. ورغم أن هذه العوامل لها ثقلها الاقتصادي الحقيقي في بلد يعيش مخاض حرب وتفتت في سلاسل الإمداد، إلا أن خلف هذه الستائر الموضوعية يختبئ في كثير من الأحيان نمط مشوه من “اقتصاد الأزمات” يعتمد فيه بعض التجار على قاعدة سيكولوجية بسيطة: “طالما أن المستهلك يشتري مجبراً، سنستمر في الرفع بلا سقف”. هنا تحديداً يتحول الجشع من سلوك فردي إلى آلية سوق غير منضبطة، لا يوقفها استجداء ولا تضبطها قوانين غائبة بفعل الواقع، وإنما تكسرها فقط قوة واحدة يمتلكها المجتمع ولا يعيرها انتباهاً، وهي قوة الامتناع الواعي عن الشراء.
​إن فكرة الاستسلام المطلق لأسعار فرضتها ظروف الاحتكار أو استغلال الندرة في الخرطوم أو ولايات السودان المختلفة، تنبع من مغالطة اقتصادية تظن أن التاجر هو الطرف الأقوى دائماً. الحقيقة العلمية تؤكد أن معادلة السوق مبنية على طرفين، وأن غياب المشتري يعني حرفياً انهيار المنظومة التجارية برمتها. وفي واقعنا المعاش، نجد أن العديد من السلع التي تشهد ارتفاعات فلكية هي سلع سريعة التلف أو ترتبط بخدمات ذات كلفة تشغيلية يومية لا تحتمل الركود؛ فالتاجر الذي يضارب في أقوات الناس مستغلاً حاجتهم، لا يملك ترف تخزين هذه البضائع لأشهر طويلة تنتظر المشتري المستسلم، بل إن أي تراجع جماعي عن الشراء، ولو لأيام معدودات، يضعه أمام خيارين حتميين: إما تكبد خسائر رأسمالية مباشرة نتيجة تلف البضاعة، أو الإذعان للمنطق وإعادة الأسعار إلى حدود كلفة إنتاجها الحقيقية مع هامش ربح معقول.
​تاريخ التجارب الاقتصادية للشعوب، وحتى الشواهد القريبة في المحيط الإقليمي، تثبت أن المقاطعة أو ترشيد الاستهلاك ليس سلوكاً سلبياً أو نوعاً من الحرمان الذاتي، بل هو أداة تصحيحية مشروعة لإعادة “ضبط المصنع” لأسواق خرجت عن عقال المنطق. في السودان اليوم، نحن بحاجة ماسة إلى تحويل هذه الثقافة من ردود أفعال فردية غاضبة إلى وعي جمعي منظم. إن “تجار الحروب” يراهنون دائماً على حالة الذعر الشرائي التي تدفع المواطن لتخزين السلع بأي سعر خوفاً من الغد، وهذا السلوك تحديداً هو الوقود الذي يغذي التضخم الروتيني ويسرع من وتيرة انهيار القوة الشرائية للجنيه السوداني. عندما يقرر المجتمع، أو قطاع واسع منه، تغيير سلوكه الشرائي والبحث عن بدائل محلية أو تقليص الطلب على السلع المبالغ في تسعيرها، فإنه يرسل رسالة حاسمة ومباشرة للسوق بأن المستهلك لن يتحمل فاتورة الجشع غير المبرر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى